مهنية منتقاة! الإعلام يشارك في السجال حول رواية المرشح "القضاة" عن السخنة

أكيد – آية الخوالدة

شكّل السجال الذي دار حول عبارة وردت في كلمة للمرشح عن الدائرة الأولى في الزرقاء محمد نوح القضاة، نموذجا لظاهرة تنتشر عادة في المواسم الإعلامية الجماهيرية كالانتخابات، حيث يتخصص "راصدون" متطوعون أو "أصحاب مصلحة" بمتابعة ما يجري أو ينشر عند الخصوم أو عند الآخرين على العموم.

الحادثة باختصار، أن المرشح قال في إحدى خطبه الانتخابية أن النبي محمد (ص) بات ليلة في قرية السخنة في الزرقاء، لكي يقول بعدها إنه ترشح عن الزرقاء ليلتمس أثر الرسول في أهلها. وبالطبع جاء ذلك في سياق الحملة الانتخابية التي يخوضها المرشح هناك.

تلقف "الراصدون" العبارة وأجروا حولها تحقيقاً على صفحات التواصل الاجتماعي ثم انتقل النقاش إلى المواقع الالكترونية وبعض الصحف.

عدد من المواقع قام هذه المرة بالتحقق الصحفي وبشكل "مهني"، فقد أجرت مواقع اتصالات مع متخصصين في الشريعة والسيرة، ومع مؤرخين، وحتى مع متخصصين في الجيولوجيا والتاريخ الآثاري للمنطقة الشرقية، لعلهم يعثرون على تأكيد أو نفي للقصة بشكل مهني، بل إن عددا من المواقع كتب أنه حرص على التواصل مع المرشح ولكن الأخير لم يجب، أي أن وسائل الإعلام المهتمة هذه المرة كانت حريصة على التوازن، وهو أمر نادر الحدوث حيث تستسهل المواقع سرعة النشر من دون التحقق، ويمكن العودة إلى عشرات التقارير التي نشرها موقع أكيد، ولا تزال متوفرة في أرشيفه كأمثلة على الانحياز ونقص المصادر أو عدم توازنها... وغير ذلك من انتهاكات مهنية.

صحيفة السبيل نشرت الخبر وسألت "أهل الاختصاص" (وفق تعبيرها ومن دون أن تسمي أحداً منهم) الذين نفوا حصول حادثة مبيت الرسول في السخنة، وقالت إنها حاولت الاتصال بالمرشح القضاة لكن هاتفه لم يرد. وقد نقلت مواقع أخرى الخبر بصيغته ذاتها، وقد حافظ بعضها على ذكر المصدر، بينما حذفته أخرى أو حولت عبارة "حاولت السبيل الاتصال" إلى "حاول (كذا/ اسم الموقع) الاتصال".

موقعان أجريا فعلاً اتصالا مع المرشح وحصلا على تصريحات خاصة منه، وفي الحالتين لم يقدم مرجعاً او مصدرا تاريخيا أو شرعيا (دينيا) لروايته، لكن حجته الرئيسية أنه سبق أن قال تلك العبارة في مناسبات سابقة ولم يعترض عليه أحد، بل وذكّر بأنه اورد حادث مبيت النبي (ص) في السخنة في بيت عزاء الشهيد الزيود قبل أشهر ولم يعترض أحد، فلماذا الآن؟.

موقع الكتروني غطى في تقرير جانباً من النقاش الذي دار في "فيسبوك" حول القصة وعرض آراء موافقة وأخرى مخالفة من دون أن يقدم تقييماً لها وعرض ذلك بعنوان ومحتوى محايد.

مواقع أجرت اتصالات مع مختصين أو مهتمين للتحقق، جميعهم نفوا وجود مرجع للحادثة باستثناء تأكيد باحث في الآثار الاجتماعية أن قوافل التجارة القرشية كانت تمر من منطقة السخنة. وفيما يلي نماذج على المواد التي اهتمت بآراء مختصين:

تصريح للمؤرخ أحمد عويدي العبادي

تصريح لرئيس مجلس خدمات مخيم السخنة أبو محمد الخولي

تصريح للدكتور أحمد نوفل أستاذ الشريعة

بعض المواقع نشرت بعناوين ومحتوى غير محايد ومنها:

محمد نوح القضاة يستخف بعقول الزرقاويين

فيديو للمرشح محمد نوح القضاة يزعم فيه أن الرسول نام في السخنة

واكتفت مواقع أخرى بنشر الخبر بصيغة مقتضبة وخالية من التقييم أو إصدار حكم، ومن هذه المواد نقرأ:

المرشح محمد نوح القضاة : الرسول نام في السخنة ليلة واحدة .. وجئت للزرقاء التمس أثره "

القضاة: ترشحت في الزرقاء لألتمس أثر النبي

محمد نوح: الرسول نام في السخنة .. وجئت للزرقاء التمس أثره "فيديو"

محمد نوح : الرسول نام في السخنة.. وجئت للزرقاء التمس أثره

المرشح محمد نوح القضاة: الرسول نام في السخنة ليلة واحدة.. وجئت للزرقاء التمس اثره

ويمكن ملاحظة تشابهاً كبيرا بين عدد من هذه النصوص، والتشابه قد يكون كاملاً أو جزئيا.

لم ينتقل النقاش إلى الصحف باستثناء "السبيل" التي كانت مبادرة لنشر الخبر، غير أن مقالاً صحفيا دافع عن رواية القضاة التي قال إنها متداولة شعبياً ونقلت عبر الأجيال، مع أنه لم يشر إلى أي توثيق أو تسجيل تاريخي لها، لكن هذا المقال جاء رداً على مقال لزميل آخر في صحيفة أخرى وجه نقداً للحادثة.

لا يستطيع مرصد "أكيد" أن يغفل عينه عن أن مجمل المتابعات التي جرت لهذه القصة ترتبط مباشرة بالموقف السياسي أو الإعلامي/ الإعلاني تجاه الحملات الانتخابية، ولهذا جاءت المهنية الظاهرة منتقاة، فقد استشير خبراء ومختصون بشكل انتقائي، بينما لم تُظْهِر المواقع التي نشرت تصريحات المرشح نقاطَ الضعف في روايته ولم تسأله عنها.

وبالنتيجة ساهم أكثر من طرف في حصول تشويش لدى الرأي العام، ولم تجب المتابعات الإعلامية على تساؤلات المواطنين من نشطاء التواصل الاجتماعي، سواء منهم المهتمين بالحادثة التاريخية ذاتها أو المهتمين بمحتوى الحملة الانتخابية للمرشح المعني، وساهمت في تعزيز الاصطفاف.

ويشير "أكيد" إلى أن الحملة الانتخابية بأبعادها الدعائية هي التي قادت، وبشكل واضح، التغطيات الإعلامية لهذه المناقشة، حيث جاءت التغطيات ومصادرها –أحيانا- انتقائية وتخدم أحد أطراف المناقشة، وبالتالي تراجعت قدرة وسائل الإعلام في توفير معلومات نزيهة ومتوازنة للجمهور

تحقق

تحقق