أخبار الخبز: تسريبات صحفية أم بالونات اختبار؟

نشرت وسائل إعلام ما يشبه “التسريبات” التي تشير إلى أن الحكومة تتجه لإنشاء مراكز لبيع الخبز مباشرة للمواطنين، وفصل انتاج الخبز عن توزيعه، بهدف معلن هو الحد من نسبة الهدر في استخدام الطحين المدعوم.

من المعروف أن الخبز في الأردن ليس سلعة اعتيادية، وهو بالتالي ليس مجرد عنوان اقتصادي، بل يشكل محور اهتمام غالبية السكان، ويشكل عنوانا للأمن الغذائي والاجتماعي عموماً، وسبق أن تسبب رفع اسعار الخبز، باحتجاجات كبيرة، أبرزها ما حصل عند قيام حكومة عبد الكريم الكباريتي برفع الدعم في 13 آب من العام 1996.

الحديث عن الهدر المالي بسبب دعم الخبز، عابر للحكومات، وهو يصعد ويهبط من فترة لأخرى، ومنذ إعلان وزير الصناعة والتجارة الاسبق حاتم الحلواني في أول نيسان 2013 إن رفع الدعم عن الخبز وتوجيهه “لمستحقيه” من الأردنيين، قضية “قيد الدراسة”، تقوم وسائل الإعلام من فترة إلى أخرى بالتذكير بهذا الموضوع عبر تصريحات حكومية تكون أحيانا منسوبة إلى مصادر مجهولة، وأحيانا أخرى بشكل مباشر على لسان رئيس الحكومة أو الوزراء، وكبار المسؤولين. 

صحيفة “الغد” نشرت يوم 10 تشرين أول خبرا تضمن معلومات جديدة حول توجه الحكومة لإنشاء مراكز لبيع الخبز مباشرة للمواطنين جاء في مقدمته: “قال مصدر مسؤول إن التوجه الحكومي لفصل إنتاج الخبز عن التوزيع سيكون من خلال إنشاء مراكز تبيع المواطنين بشكل مباشر، بعيدا عن المخابز”.

وأضاف الخبر: “وبين المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه بموجب المقترح سيتم استخدام المخابز كمشغلين فقط، وذلك من خلال إعطائها كميات محددة من الطحين بشكل مباشر من الحكومة وقيامها بإنتاج الخبز ثم بيعه من خلال مراكز توزيع، والتي بدورها تقوم ببيعه للمواطنين.”

الخبر ذاته تضمن تصريحات لوزير الصناعة والتجارة والتموين، المهندس يعرب القضاة، وهو الجهة المعنية وصاحبة القرار في اتخاذ مثل  هذا القرار من عدمه، أشار فيها إلى تشكيل لجنة داخلية لتتبع جميع قنوات تسويق الطحين لمعالجة الهدر بهذه المادة، من دون الإشارة إلى توجه الحكومة لإنشاء مراكز لبيع الخبز، سواء بالتأكيد أو بالنفي.

لكن وسائل إعلام نقلت عن نقيب أصحاب المخابز عبدالإله الحموي قوله إن هذه الأفكار مجرد بالونات اختبار تطلقها الحكومة، وتتراجع عنها بعد سماع ردود الفعل الرافضة لمثل هذه المقترحات، موضحا أن المقترح الأخير بفصل البيع عن الإنتاج مجرد فكرة، أجلته الحكومة او تراجعت عنه، بعد رفضه من أصحاب المخابز والمواطنين.

وفي تصريح آخر قال الحموي: إن ما يثار حول نية الحكومة اعتماد مراكز توزيع خاصة لمادة الخبز وفصل البيع عن المخابز، كان مجرد حديث اثناء لقاء رئيس الوزراء هاني الملقي برؤساء تحرير الصحف، ولن يكون هناك تطبيق فعلي على أرض الواقع.

صحيفة “الغد” تابعت خبرها الأول حول مراكز بيع الخبز  بتقرير مطول بعنوان: “تحذيرات: مراكز بيع الخبر خطوة لهدر الطحين”، اشتمل على تواصل مع أطراف غير حكومية، مثل جمعية اتحاد مطاحن الحبوب التعاونية، وممثل قطاع الصناعات الغذائية في غرفة صناعة الاردن، وأصحاب مخابز، وقد أعاد عدد من المواقع الالكترونية نشر الخبر.

يبدو كلام النقيب الحموي عن “بالونات الاختبار” أشبه بسؤال (وربما تهمة) موجه لوسائل الإعلام. ولكن أياً من هذه الوسائل لم يعترف بممارسته لهذا الدور ولا توجد أدلة واضحة تدل عليه، وبالمقابل لم تحصل المتابعة الصحفية اللازمة التي تثبت أن ما نشر هي أخبار حقيقية تسربت كسبق صحفي. وهنا تقع وسائل الإعلام في اشكالية التوفيق بين دورها في توفير المعلومات ومتابعتها وبين عدم تفسير أن ما تقوم به يخدم أهدافا سياسية.

الحديث عن رفع الدعم عن الخبز، أو ايصال الدعم لمستحقيه مرتبط بتقديرات الحكومات للهدر الحاصل بمادة الطحين والذي تقدر قيمته بين 70 إلى 100 مليون دينار. وتشير المصادر الحكومية إلى أن هنالك 3 ملايين شخص من غير الأردنيين يستفيدون من دعم الخبز، وتصل كمية ما تستهلكه المملكة من الطحين المدعوم إلى 450 ألف طن سنويا، فيما تظهر بيانات الموازنة العامة للعام الحالي (2016) أن قيمة الدعم المخصص للمواد التموينية 215 مليون دينار.

يمثل موضوع مراكز بيع الخبز نموذجا للأخبار التي تتصل بعامة المواطنين وتغيب الصحافة عن متابعتها بشكل كاف، فحتى تاريخ هذا التقرير لم تبادر الصحف والمواقع الإخبارية بتقديم معلومات واضحة ودقيقة وجازمة حول الموضوع، رغم أنه ينطوي على أهمية كبيرة لاتصاله بحياة المواطنين.

وما زال الاعلام يُتهم بأنه يوظَّف من قبل السياسيين والحكومات، لمعرفة ردود الفعل على القرارات الحكومية المستقبلية والتي يتم تسريبها عبر وسائل الاعلام.

ويتضح أنه عند نشر الخبر، لم يتم الجزم بصحة المعلومات المنشورة في الخبر من جهة حكومية، وبذلك فإن النشر لم يراع عنصر “المتابعة”، أحد معايير مصداقية الأداء الإعلامي، الذي ينص على متابعة تداعيات الأحداث، بنشر تقارير معمقة، وعدم الاكتفاء بالأخبار الأولية. إن مثل هذا الموضوع يستحق من وسائل الإعلام أن تتأكد من المعلومات، فدقة الخبر ومصداقيته مطلب أهم من سرعة نقله، والسباق عليه دون التحقق منه.

ورغم الأهمية الكبيرة لهذا الخبر فإن (أكيد) لاحظ ندرة التغطيات الإعلامية للموضوع، وهنا يلاحظ أن الصحف الورقية بشكل عام في الاردن لا تتابع بشكل كبير الأخبار التي تنشرها الصحف الزميلة الأخرى.

إن لجوء الصحافة إلى استخدام  المصدر المجهول، يشكل مخاطرة بمصداقية وسيلة الإعلام  خصوصا إذا تبين أن الخبر غير صحيح، كما ان المصادر المجهولة تثير الشك بهدف وسيلة الإعلام من نشر بعض الأخبار المنسوبة إلى المصادر المجهولة.

أخيرا، نقدم فيما يلي عددا من العناوين التي تناولت موضوع الخبز خلال السنوات الثلاث السابقة:

مقترح لتحميل الوافدين كلف دعم الخبز

تخوفات شعبية وحزبية من رفع سعر الخبز

40 قرشا سعر كيلو الخبز بعد رفع الدعم

مخصصات دعم القمح تبلغ 180 مليون دينار في 2015 وسوق طحين سوداء تهدر 70 مليونا

تطبيق البطاقة الذكية بديل لفشل الدعم النقدي

الحكومة تشرح آلية دعم الخبز

النسور بدأ معركة الخبز

حوار مفتوح حول توجه الحكومة لرفع الدعم عن الخبز

الحكومة تتجه لرفع دعم الخبز وتعتزم طرح عطاء البطاقة الذكية،

40 قرشا سعر كيلو الخبز بعد رفع الدعم

المخابز تطالب برفع اسعار الخبز 25 قرشا للكيلو.

تخبط حكومي تجاه آلية دعم الخبز.. الحكومة ضائعة ما بين البطاقة الذكية والدعم النقدي

ضوء على سياسات دعم الخبز

تحقق

تحقق