الخبز ودعمه.. موجات إعلامية مربكة وتشويش عابر للحكومات

 

أكيد - أحمد أبو خليل

لإعداد تقاريرنا في مرصد "أكيد"، عادة ما نستعين بالأرشيف الذي يوفره محرك البحث الأشهر على الانترنت "غوغل"، فنضع المفردات اللازمة في خانة البحث ونحصل على كثير مما نشر، ومما حفظته ذاكرة الباحث الالكتروني.

ضع في خانة البحث، كلمات مثل: الخبز، الأردن، الدعم، خط أحمر، لا مساس، قوت المواطن، أو ما تشاء من المفردات الدارجة هذه الأيام في مجمل الإعلام المؤيد والمعارض للموقف الحكومي، ستجد أن قضية الخبز (سعره ودعمه وتكلفته) مفتوحة في الإعلام المحلي على شكل موجات منذ أكثر من عشر سنوات، وهي المدة التي بدأ فيها غوغل بالتوثيق الشامل، ولو قمت بالبحث في مجمل الأرشيف خلال العقدين الماضيين لتوصلت إلى النتيجة ذاتها.

المادة المتوفرة كبيرة وتحمل مضامين متنوعة، لكنها تخلق قدرا من التشويش أكثر مما تمنح من التوضيح. وبالطبع ليس المقصود أن نعثر على مواد تتخذ موقفا محددا (مع او ضد) من هذه القضية الخلافية، لكن ملاحظتنا تتعلق بغياب الدور التقليدي للإعلام في إيصال المعلومة وتمكين المتلقي من فهم الظاهرة بما يساعده في تحديد موقف. لقد غاب هذا عن أغلب المواد المنشورة، لا سيما إذا أراد القارئ التوسع.

قبل أيام رصد تقرير من 750 كلمة نشره موقع محلي ما أسماه التخبط الحكومي تجاه مسألة دعم الخبز وقد تتبع جزءا مما نشر خلال السنوات القليلة الماضية.

الواقع أن قضية دعم الخبز كموضوع إعلامي رئيسي تعود إلى أكثر قليلا من عقدين، عندما أقر فعلاً رفع الدعم من قبل حكومة عبدالكريم الكباريتي (1996)، حينها كان الإعلام حاضرا كأداة صراع لافتة وسط بروز ظاهرة "الأسبوعيات" أي الصحف الأسبوعية كمعبر عما سمي حينها "الإعلام المستقل". وقد جعلت تلك الصحف من تلك القضية عناوين كبيرة خاصة بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد قرار رفع الدعم (الذي رفع السعر من 8 قروش إلى 25 قرشا للكيلوغرام) والذي اتخذ فعلاً وطبق لسنتين.

غير أن قرارا آخر لحكومة عبدالسلام المجالي التي تلت حكومة الكباريتي (1998) أعادت الدعم، وبنتيجته انخفض السعر إلى 16 قرشاً، وهو القرار الذي لا تزال تقارير صحفية تتحدث عنه باعتباره قراراً "غير مفهوم".

بعد ذلك عادت القضية إلى الظهور مجددا في موجات أبرزها عام 2008 بالتزامن مع ما عرف حينها بأزمة الغذاء العالمية، ولكن الحكومة اكتفت حينها بتغيير آليات توزيع وتسعير الطحين المدعوم. ثم حضر الموضوع مرة أخرى بقوة عام 2011 ثم عام 2013 ثم 2015 وبدأت عناوين ومفردات مرافقة أخرى بالظهور في الإعلام مثل: من يستفيد من الدعم؟ وكيف نوجه الدعم لمستحقيه؟ وكيف يتوقف الهدر والتهريب؟

في كل الموجات، كان الإعلام يقدم مادة مربكة، فقد نشرت القرارات بالإبقاء على الدعم باعتبارها حرصا على قوت المواطن بعد ان تكون قد قدمت كتشوهات اقتصادية!

وقد اشتهرت عبارة "الخبز خط احمر" التي وردت على  لسان مسؤولين كثيرين، ونشرت في مواد  صحفية عديدة، ثم نُشرت في زمن لاحق مواد تتهكم من فكرة الخط الأحمر وتنكرها وتسخر منها.

لقد احتفى الإعلام مرارا بتصريحات المسؤولين التي كانت تقول أنه لا مساس بسعر الخبز، وحتى مطلع هذا الشهر تشرين أول 2017 أبرزت وسائل الإعلام تصريح رئيس الوزراء هاني الملقي: "لا مساس بأسعار الخبز".

ولكن في الأيام الأخيرة، تزايدت أعداد التقارير التي تدافع عن مستجدات الموقف الرسمي، وبذلت وسائل إعلام رئيسية جهدها في ذلك بأشكال مختلفة من المواد الصحفية شاملة "الانفوغرافيك " كأحدث وسيلة توضيح بالرسم، وشاركت في الحملة مواقع اخبارية أوضخت تفاصيل الأرقام والنسب والإحصاءات التي تبرر وتدافع عن القرار المرتقب برفع الدعم.

ولغايات إعداد هذا التقرير، لم نعثر على مادة منشورة حديثة يمكن اعتبارها مفصلة بشكل يكفي لفهم القضية، لكن موقعا واحدا على الأقل أعاد نشر مادة نشرتها صحيفة "الدستور" في نهاية العام الفائت جاءت على شكل تحقيق فيه قدر من التفصيل حول ما سمي الثلاثي المستفيد من الدعم، وحسنا فعل الموقع الذي نقل المادة بنشر تاريخ النشر الفعلي ومصدره.

ولكن مادة نشرها موقع إخباري قبل سنوات عبارة عن رأي مفصل قدمه مسؤول سابق في قطاع صناعة الطحين، أعيد نشرها من قبل مواقع أخرى  كمادة حديثة وبعناوين مثيرة (كيف تربح الحكومة مبالغ بالملايين من الخبز المدعوم ؟ "أرقام صادمة") حيث تضمنت نقداً وتفنيدا للموقف والأرقام الرسمية.

في كل النقاش الدائر عثرنا على مادة لعلها الأكثر شمولا والأكثر دقة، وهي عبارة عن دراسة طويلة نسبيا (3500 كلمة) من إعداد باحث اسباني مختص بقضايا الدعم والإعانات بعنوان "ضوء على سياسات دعم الخبز في الأردن" وقد ترجمتها صحيفة "الغد" في حزيران 2014  وهي تقدم تفاصيل غابت عن كل ما نشر محلياً.

 

تحقق

تحقق