"البحث عن الذَّهب الأردني".. وسائل إعلام تُرافق منقبِّين عنه فهل خالفت مهنيتها والقانون؟

أكيد-أفنان أبو يحيى- تداولت حسابات ناشطين على منصَّات النَّشر العلنية خاصة موقعي التَّواصل الاجتماعي "فيسبوك وتويتر" قبل شهرين، خبرًا يشير لتقرير إخباري أجنبي حول وجود دفائن وكنوز في الأردن تعود لفترة الحُكم العُثماني، وتقدَّر بمليارات الدَّنانير، وخرجت حينها دائرة الآثار العامة، وأشارت إلى أنَّ كلَّ ما يتم تداوله حول ذلك هو "عبارة عن موروثات شعبية لا صِحة لها".

وتتبع مرصد مصداقية الإعلام الأردني "اكيد"، تغطية عدد من وسائل الإعلام المحلية لقصة البحث عن الدَّفائن والذَّهب بعد أن عاد النِّقاش حول وجودها وصلاحيات المواطنين القانونية في التنقيب عنها إلى الواجهة مجددًا خاصة بعد حادثة وفاة شخص أثناء بحثه عن الدَّفائن إثر إنهيار أتربة وحجارة عليه داخل "مغارة"، وفق ما نشرته صحيفة محلية، وتزايد حجم التَّغطية الاعلامية والتَّقارير التي أعدتها مؤسسات إعلامية محلية حول القضية، وتحولِّها إلى قضية رأيٍ عام.

وتبين ل"أكيد" ارتكاب مؤسسات إعلامية محلية، مجموعة من المخالفات المهنية والقانونية ينبغي الإشارة إليها وتصحيح الممارسة الإعلامية بشأنها من أجل تفادي التَّضليل والتَّشويش ونشر الشَّائعات والمغالطات وتقديم تغطية متوازنة. 

وتبين ل"أكيد" أنَّ بعض التغطيات احتوت على المبالغة في تناول هذه القضية من خلال التركيز على كمية ونوعية الكنوز وما يمكن أن تساويه هذه الدفائن من المبالغ المالية دون الإستناد إلى أيِّ مرجعية علمية أو مصدر موثوق، الأمر الذي يخالف مواثيق الشَّرف الصَّحفية أو الإعلامية بعدم نشر معلومات غير مؤكدة أو مضلِّلة.

ولاحظ "اكيد" اعتماد بعض التقارير الإعلامية على استخدام لغة تشويقية تعتمد على الإثارة لجذب القراء أو المشاهدين على حساب الدِّقة في بعض المعلومات أو عدم الشُّمولية في عملية التَّغطية، مثل "عالم من الأجهزة والجن ...، كم تبلغ قيمة الدفائن الموجودة في الأردن؟، سيبقى الروحانيون أسياد المكان"، متجاهلةً أنها قد تشكل عاملًا مشجعًا على ممارسة هذه الأفعال من قِبل بعض الأفراد أو تعزيز بعض القناعات الموجودة لديهم، ومخالفةً القاعدة المهنية المتمثلة بان الحقيقة أولى من الإثارة.

وتبين ل"أكيد" أنَّ بعض التقارير الصَّحفية ألصقت التهم وسمحت بمرور إساءة للأشخاص الذين يقومون بأعمال البحث والتَّنقيب عن الدَّفائن بوصفها إياهم "بالمرضى النَّفسيين الذين يواجهون مشكلة في افرازات الدماغ، والمصابين بالهَوَسِ والوَهم، والمدمنين على التَّنقيب، والمتقاعسين عن العمل الجاد"، وهو ما يعتبر أيضًا مخالفة مهنية في إطلاق الأحكام على الأفراد والإساءة لهم والترويج لآراء فردية لا ينبغي أن يكون لها متسعًا في التَّغطية الإعلامية المتوازنة.

ويشير أكيد" إلى أنَّ بعض التَّغطيات بيَّنت أنَّ التَّنقيب عن الدفائن ممارسة تتم على نطاق واسع دون الاستناد الى ما يُعزِّز هذه المعلومة فعليًا؛ وغابت الدِّقة في تعميم فعل التنقيب عن الدَّفائن بالقول: "إنَّ ما يراود كثيرًا من الأردنيين هو بحث عن ثراء يكمن في باطن الأرض"، وهذا من شأنه أن يكرِّس صورة نمطية بأنَّ الغالبية العظمى من المواطنين تبحث عن حُلم الثَّراء السَّريع من خلال التَّنقيب عن الدَّفائن.

ورصد "أكيد" أنَّ بعض التقارير الإعلامية خصَّصت مساحة أكبر في الاستماع لرأي ما يطلق عليهم بالروحانيين والمشعوذين حول "السِّحر والرَّصد وكشف الذهب والبحث عن الاشارات وفك رموز الطلاسم والتعامل مع الجن"، واستعرضت بعض أقوالهم كأخبار من مثل: "الباحثون عن الدَّفائن يؤكدون وجود حُرَّاس خفيين للكنوز"، مفتقرة إلى تغطية متوازنة تشير إلى الرَّأي القانوني وعلماء الآثار والأكاديميين وما أعلنته المصادر الرَّسمية حول القضية وقد يتسبَّب ذلك بتضليلٍ لدى جمهور المتلقين وتشجيعهم على الممارسات المرتبطة بزيارة هولاء الأشخاص.

ورصد "أكيد" مجموعة من الصور المضلِّلة والتي رافقت بعض التقارير الإعلامية في هذه التَّغطية على أنَّها كنوز ودفائن في الأردن دون دليل موثوق ومصدر معلوم، وجرى تداول هذه الصور على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي، نظرًا لغياب الموضوعية وتحرِّي الدِّقة واعتماد بعض التَّقارير على اختيار الصور الأكثر جاذبية للمشاهدات وتشويق للمتابعين.

وتبين ل"أكيد" أنَّ بعض المراسلين ارتكب مخالفات مهنية وقانونية في مرافقتهم للمنقِّبين عن الدفائن، والذِّهاب معهم لمكان البحث أثناء إعداد التقرير التلفزيوني، لأنَّ القانون الأردني –حتى اللحظة- يحظر على أيِّ شخص التَّنقيب عن الآثار في أيِّ مكان في المملكة حتى ولو كانت مُلكًا له، بموجب قانون الآثار الأردني لسنة 1988، وإن مرافقة المراسل للمنقّب عن الدفائن في عملية البحث يروِّج لفعل البحث وكأنه طبيعي وقانوني، عدا عن أنَّ تصوير عملية التنقيب بهذه الطريقة وإجراء المقابلات الصحفية معهم دون اخفاء هويتهم وصوتهم بشكل مهني قد يعرِّضهم للمساءلة القانونية والوصم المجتمعي.

ولاحظ "اكيد" أنَّ بعض التَّقارير الصَّحفية أعطت مساحة واسعة لشرح طريقة التنقيب عن الدَّفائن بالخطوات والتَّفاصيل الدَّقيقة حول تحديد الإشارات واختيار التوقيت المناسب؛ للحفر والأدوات المستخدمة في العملية بما لا يخدم التَّغطية الصَّحفية، وهذا قد يشجع البعض في تطبيق هذه الخطوات وتدفعه للبحث أكثر حول تفاصيل التَّنقيب ومخالفة القانون والتَّعرض للعقاب.

استاذة التَّشريعات الإعلامية والأخلاقيات الصَّحافية وعضوة لجنة شكاوى الإعلام الدكتورة نهلا المومني قالت ل"أكيد": إنَّ بعض التَّغطيات الصَّحفية المتعلِّقة بموضوع الدَّفائن والكنوز والتَّنقيب عنها احتوى على مخالفات قانونية ومهنية في الوقت ذاته أبرزها:

أولًا: إنَّ بعض هذه التغطيات ينطوي على نوع من المبالغة في طرح هذه القضية، وفيما يتعلق بكمية ونوعية الكنوز والدفائن الموجودة في الأردن حيث إنَّ بعض هذه التغطيات أشارت  إلى تقارير اخبارية غير أردنية دون الرجوع الى الحقائق العلمية والمعلومات ذات المرجعية المستندة إلى الأبحاث والدِّراسات، وهو الأمر الذي يخالف مواثيق الشَّرف الصَّحفية أو الاعلامية بعدم نشر معلومات غير مؤكدة أو مضللة .

ثانيًا: إنَّ نشر المعلومات غير المؤكدَّة والمضلِّلة وإن تمت الاشارة الى أنَّها غير مؤكدة قدّ يُشكل عاملًا مشجِعًا  على ممارسة هذه الأفعال من قِبل بعض الأفراد أو يعزز من القناعات الموجودة لديهم.

ثالثًا: إنَّ عرض بعض التغطيات الإعلامية يُشير الى ممارسة التَّنقيب على الدَّفائن على نطاق واسع دون الاستناد إلى ما يُعزِّز ذلك فعليًا أو أرقام تُعزِّز هذه المعلومة؛ من شأنه أن يُكرِّس صورة نمطية تشير إلى أنَّ الغالبية العظمى من المواطنين تبحث عن حلم الثَّراء السَّريع من خلال التَّنقيب عن الدَّفائن.

رابعًا: من المفترض أن تتضمن التَّغطيات الصَّحفية والاعلامية ما يشير ويرفع من وعي الأفراد بأنَّ التلاعب بالآثار وتداولها أو تقليدها أحيانا او العبث بالأماكن الأثرية  يُشكل تلاعبًا بتاريخ الوطن وهويته وهو أمر لا يقدر بثمن، وأن يتمَّ التركيز على المسؤولية القانونية المترتبة على هذه الأفعال ومتى يشكل الفعل جرمًا والعقوبات التي قد يُحكم بها لغايات رفع وعي الأفراد من النَّاحية القانونية وهو الأمر الذي نجده غير موجود في بعض هذه التَّغطيات أو لا يتم بالصورة الكاملة والشَّاملة.

خامسًا: بالاضافة الى أنه تتم الاشارة في بعض التغطيات الاعلامية أو الصَّحفية إلى إعداد المخالفات المتعلقة بالتَّنقيب عن الدَّفائن أو الآثار مع الاشارة الى أنَّها تُشكِّل رقمًا مرتفعًا ،في الوقت الذي  تستند فيه هذه المخالفات الى ضبط أولي غير مقترن بحكم قضائي، ولا تتم الاشارة الى الأحكام القطعية الصَّادرة بهذا الأمر من قِبل القضاء،  حيث إنَّ العديد من الاشخاص قد يصدر بحقهم أحكامًا بالبراءة أو عدم المسؤولية، فالمخالفات المسجلة ليس بالضرورة أن يتم تجريمها أمام القضاء.

سادسًا: إنَّ بعض العناوين والمضامين لتغطية هذا النوع تعتمد على الإثارة والتشويق لجذب القراء أو المشاهدين على حساب الدِّقة في بعض المعلومات أو عدم الشمولية في عملية التَّغطية وهو الأمر الذي لا يتسق والقاعدة المهنية الهامة المتمثلة بان الحقيقة أولى من الإثارة.

ويلفت "أكيد" إلى أنَّ التَّغطية الإعلامية في مثل هذه القضايا يجب أن تكون متوازنة بحيث يكون هناك اطراف محايدة للحديث حول القضية، ويجب الانتباه إلى عدم نشر ما يشجع على مخالفة القانون من قبل جمهور المتلقين خاصة وانَّ عملية البحث عن الدَّفائن غير مضمونة النَّتائج.

ويوصي "أكيد" بضرورة الالتزام بالمعايير المهنية والقانونية من قِبل وسائل الإعلام المحلية في مثل هذا النَّوع من التَّغطيات، والتي من بينها، عدم السَّماح بانتهاك كرامة الانسان، والابتعاد عن بث وترويج أفكار أشخاص قد يستغلون جمهور المتلقين، وحماية مصادر المعلومات، والحصول على الآراء كافة والمتعلِّقة في موضوع التَّغطية، وتقديم وجهة نظر العلم والدِّراسات الخاصة بذلك.

تحقق

تحقق