متعة المشاهدة وغياب القيمة الخبرية خلال "مناكفات" جلسات النوّاب في وسائل إعلام

أكيد – مجدي القسوس – تنشر وسائل إعلام عدّة موادّ صحفيّة عن مواقف ومناكفات عابرة تحدث تحت قبّة البرلمان بين أعضاء مجلس النوّاب الأردني في دورته رقم 19 خلال جلسات مناقشة التعديلات الدستورية والتي عقدت خلال الأيام الماضية، وتأتي هذه المواد على شكل أخبار قصيرة مقتضبة تُدرِج فيها الحوار الذي تمّ، أو مقطعًا مصوّرًا معنونًا بـ"شاهد بالفيديو.. النائب.."، أو بعناوين تساؤليّة تبحث عن تشويق القارئ وتحاول دفعه للدخول إلى المادة.

وتتبع مرصد مصداقيّة الإعلام الأردني "أكيد" عددًا من المواد التي نشرتها وسائل إعلام عبر مواقعها الإلكترونيّة بطريقة الرَّصد النَّوعي وتبين أنَّ هذا المحتوى لم يحمل سوى مناكفة أو موقفًا أو لغطًا في حديث النوّاب، واقتصر على نقل ما حدث، وكثير منه لم يحمل أيّة قيمة خبريّة ولم يذهب باتجاه تحليل ما وراء الموقف أو الجِدال، وبيان أسبابه.

ومن بين هذه المواد:  

فواز الزعبي : "وشو عليه لو الواحد إيجاه ساعة يوخذها"

حصل تحت القبة " مو كذاب .. ما انت كذاب"!! - فيديو

وفي مادة نشرتها وسيلة إعلام رصدتها عدساتها تحمل محتوى حول قيام رئيس الوزراء بشر الخصاونة متحدثًا بهاتفه خلال إحدى الجلسات، تساءلت الوسيلة عن مدى أهمية المكالمة والجهة التي كان يتحدث معها الرئيس تحت القبة، واكتفت إلى جانب التساؤل بذِكْر حالته التي وصفتها بـ"انفعال"، في حين انتهت المادة بصورٍ التُقطت للرئيس، وبقي السؤال الذي طرحته في عنوانها مبهمًا، وهنا يبرز السؤال المهني الذي تحكمه المعايير الصحفية: ماذا استفاد المتابع أو جمهور المتلقين؟

ومن خلال الرَّصد الذي أجراه (أكيد) يتبيَّن أن مثل هذه المواد بدأت تلقى رواجًا على المواقع الإلكترونية إلى حد اعتباره نمطًا جديدًا في الإعلام، وتقليدًا موجودًا في الصحافة، وما يبرَر وجوده هو جاذبيته لدى القرّاء، على الرّغم من أنَّ المعلومات المقدَّمة لا تحمل سمات القوة والمباشرة، وإنَّما تأتي بهدف رفع نسب المشاهدة.

وفي مواد رقميّة رصدها "أكيد" تناولت ما حدث خلال الأيام الماضية تحت قبّة البرلمان، تبيَّن للمرصد أن وسائل إعلام أسهبت في صناعة تلك المواد معتمدةً على مواقف واشتباكات حدثت بين نوّاب داخل المجلس، وركّزت عليها بهدف تقديمها للجمهور وكأنها مادة تصنع متعة المشاهدة أو لسخرية أبعدت المتابع عن أهمية البحث عمّا وراءها أو تفسير الظواهر بأسبابها والحديث عنها بموضوعيّة.

وسارعت وسائل إعلام إلى نقل هفوة أحد النوّاب أثناء حديثه عن التعديلات الدستورية المعنية بالحالات التي يعزل فيها رئيس مجلس النواب، مخطئًا التعبير، ما أثار موجة من الضحك داخل المجلس، على الرغم من أنَّ التعبير الذي ذكره طبيّ وعلمي، وورد على لسانه بالخطأ لتطابقه مع التعبير المقصود "عجز كامل".

وذهبت معظم تغطيات وسائل الإعلام إلى الحديث عن موجة الضحك التي دارت تحت القبّة وبخاصّة بعد "المشاجرات" الأخيرة، نتيجة لما قاله النائب، وذلك من خلال موادّ نشرتها كأخبارٍ رئيسة على صفحاتها الإلكترونيّة عن "الأردن".

وفي مادة نشرتها وسيلة إعلام غير محليّة، جاءت بعنوان: "“دعابات” بعد “مشاجرات” نواب الأردن"، أدرجت الوسيلة مصطلحات غريبة نعتت فيها النوّاب وذهبت بعيدًا عن الموضوعيّة والأخلاق الصحفيّة، إذ وصفت أحدهم "بالعجوز" تعليقًا على ردّ فعله تجاه الجزء المتعلق بتخفيض سن المرشح البرلماني إلى 25 عامًا، وآخر وصفته بـ"نجم المشاجرات والصفعات واللكمات"، وزميله بـ" صاحب التعليقات الفكاهية المثيرة، مرسّخة حالة من النمطية والتنمُّر تجاه بعض أعضاء المجلس، وتأطير ظهورهم في إطار محدد للجمهور.

وفي هذا الشأن يوضّح "أكيد" ضرورة الحذر من توظيف المناكفات السياسية التي غالبًا لا تحمل قيمة إخبارية، في رفع نسب المتابعة أو توجيه الجمهور والتأثير عليه باتجاه معيّن، في حين يؤكد المرصد أن أبطال تلك المناكفات يتحملون مسؤولية أفعالهم.

وينبّه (أكيد) إلى ضرورة التزام وسائل الإعلام الموضوعيّة في مثل تلك التغطيات، والتركيز على تقديم معلومة ضمن الخبر لها قيمة صحفيّة من شأنها أن تعزّز ثقة القارئ بالوسيلة وترسخ لديه المصداقية بذات المؤسسة التي تتبع لها الوسيلة.

أما رسالة "أكيد" إلى الجمهور المتلقّي، فهي ضرورة تفعيل التفكير النقدي بما يُقدّمه الإعلام للجمهور، ومعرفة ما الهدف من بث المادة بالصورة التي جاءت عليها، وهل تحمل تأثيرًا علينا؛ إيجابيّ كان أم سلبيّ، من خلال التفكير باللغة والكلمات والمحتوى وطريقة العرض، وإن كانت تنمّ عن توجهات محددة سلفًا، لنصل إلى مرحلة نقيّم فيها وسائلنا ونحصرها ضمن دائرة المصداقيّة والموضوعيّة والحياد.

تحقق

تحقق