وسائل التواصل الاجتماعي تقود وسائل الإعلام  في تغطية قضية تجريم الانتحار

عمَّان الأول من أيار (أكيد)-سوسن أبو السُندس-سيطرت أصوات الخبراء والمتخصصين على أصوات السياسيّين وصنّاع القرار في تغطية وسائل الإعلام لمشروع القانون المعدل لقانون العقوبات فيما يخص إقرار عقوبة على الشَّخص الذي يحاول الانتحار، حيث وافق مجلس النّواب على تعديل المادة (339) من القانون الأصلي لتصبح: "يُعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من شرع في الانتحار في مكان عام  بأن أتى أيًا من الأفعال التي تؤدي إلى الوفاة عادة وتشدّد العقوبة إلى ضعفها إذا تم ذلك باتفاق جماعي." وكردّ فعل على ذلك أُنتِجت العديد من المواد الإعلامية المكثفة، والتغطيات الشاملة لجميع الجوانب، وذلك بعد اتساع قاعدة الاهتمام المجتمعي بهذه القضية على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي رصد أجراه مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) لأنماط التغطية الصحفية لمشروع القانون المعدل، لعينة عشوائية شملت 110 مواد صحفية وإعلامية اتبع فيها منهجية كميّة وكيفية للوصول إلى أبرز القضايا التي تناولتها التغطيات الإعلامية سواء في المواد الإخبارية أو في مواد الرأي التي تمثل اتجاهات كُتَّاب الصحف اليومية، وتحديد اتجاهاتها بين المؤيدين للتعديل الذي أقره مجلس النواب وبين المعارضين له، وتتبعت عملية الرصد مدى التزام هذه الوسائل بالمعايير المهنية من حيث توازن المادة، وطرح جميع الأفكار ومقابلتها مع أراء المختصين والخبراء.

وجاء في نتيجة الرصد أنّ 62 بالمئة من المواد الإعلاميّة عارضت مشروع القانون المعدل، وقدمت الدلائل إما بطريقة تقليدية أو عن طريق البيانات الرقميّة التي تقدم تصورًا عن حجم الظاهرة، واعتبروا أنّ الانتحار ظاهرة انسانية عالمية مبنية على حق الإنسان في الحصول على الرعاية الصحية والمعالجة، وأن تجريم من يحاول الانتحار يعدّ قصورًا تشريعيًا وعودة إلى الوراء.

وذهب بعضهم إلى أنَّ القانون يخضع لاجتهادات النّواب وخبراتهم الشخصيّة، بعيدًا عما يحتاجه قانون كهذا من رأي الخبراء والمختصين، داعين إلى الالتفات بشكل سليم إلى المسّببات الرئيسة في اللجوء إلى الانتحار، وضرورة تفعيل الدور التوعوي التثقيفي فيما يخص الانتحار، وداعين مجلس النواب إلى التراجع عن هذا التعديل القانوني.

وأوضحت نتيجة الرصد أنّ 19 بالمئة من المواد الإعلامية تبنّت وجهة نظر المشرّع، وقدمت تبريرات لتعديل القانون، أهمها أنّ ظاهرة الانتحار أصبحت تشكل خطرًا على السلم الأهلي والمجتمعي، وتشكل نوعًا من الابتزاز وحالة من لفت الانتباه والاستعراض للضغط للحصول على منافع، وأن هذا الجرم يندرج تحت مبدأ الردع الخاص والعام، حيث إنَّ الردع الخاص يتمثل بالردع الذاتي للجاني نفسه، والردع العام هو أن يعلم الجميع بأن هذا الفعل سيلحقه العقاب.

وفي السياق نفسه، رُصدت 19 بالمئة من المواد الإعلامية، كانت محايدة، واكتفت بنقل الخبر، فيما رصدت ردود أفعال من الشارع الأردني، وبعضها ذهب إلى التهكم والسخرية.

ويرى (أكيد) من خلال الرصد أنّ وسائل الإعلام التزمت بشكل عام بالمعايير المهنيّة، وقدمت مواد إعلامية شاملة ومتوازنة، ونقلت أراء المصادر بتساو، وقامت بالتفريق بين من يُقدِم على الانتحار بسبب المرض وبين من يُقدِم عليه لفتًا للنظر أو للابتزاز، ودعوا إلى احترام كرامة الإنسان وقيمة الحياة الإنسانية.

تغطية إعلامية شاملة ومكثفة ….  هل تُعدّ ظاهرة؟

نال مشروع القانون المعدل لقانون العقوبات اهتمامًا كبيرًا من قِبَل وسائل الإعلام المحليّة، ونشرت الصحف والمواقع الإخبارية مادة بمعدل يومي حول الموضوع، في سابقة أثارت التساؤلات حول سبب اهتمام وسائل الإعلام لهذا الحد.

ومن خلال الرصد الذي أجراه (أكيد) تبين أنّ وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تعبئة وحشد الرأي العام حول رفض مشروع القانون، وانتشرت عدة هاشتاجات وتغريدات رافضة للمشروع  كـ #الصحة النفسية، فيما تصدرت تغريدة سمو الأميرة غيداء طلال والتي تنتقد فيه نص القانون المعدل، وتدعو فيه مجلس النواب إلى "إعادة النظر بهذا القرار غير الإنساني الذي سيظلم مجتمعنا".

ويرى (أكيد) أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي دفعت وسائل الإعلام لرفع أصوات الخبراء والمحللّين، الأمر الذي قد يشكل علامة فارقة في مستقبل مشروع القانون الذي استقرّ الآن بين يدي مجلس الأعيان.

ويُنبّه (أكيد) إلى أنّ وسائل التواصل الاجتماعي باتت تشكل إحدى أهم أدوات التأثير في صناعة الرأي العام، ولا بد للصحفي من متابعة ما يحدث في العالم الافتراضي عند تغطية القضايا المثيرة للرأي العام مع ضرورة الالتزام بالمعايير الأخلاقيّة والمهنيّة، ومن بينها الدِّقة، والموضوعيّة، والمهنيّة، والابتعاد عن التهويل والتضليل، وتقديم معلومات موثوقة للمتلقّين.

تحقق

تحقق