إطلاق خارطة تحديث القطاع العام يربك الإعلام والتغطيات الإعلامية تخلق فجوة معرفية بين النُخب وجمهور المتلقين

عمّان 23 تشرين الأول (أكيد)- تقرير: سوسن أبو السُّندس، كاريكاتير: ناصر الجعفري- لم تنطوِ خطة تحديث القطاع العام على آلية لحوار وطني واسع، ويبدو أن ذلك جعل تفاعل وسائل الإعلام المحليّة مع الخطة محدودًا ومرتبكًا، وغاب دوره في المتابعة والمساءلة، علاوة عن قصورإسهامه  في الجانب التوعوي لبنود الخطة المطروحة لتقديمها لجمهور المتلقين بيسرٍ وسهولة.

وكما هو معروف، فإنَّ لوسائل الاعلام بحكم رسالتها المجتمعية دورًا بارزًا  في عملية التطوير والتحديث المرجوة، من خلال الوصول إلى جميع النّاس على اختلاف مشاربهم الاجتماعية والثقافية، وبذل الجهود لخلق حالة من الحوار الهادف لتكوين مواقف واتجاهات إيجابية ومتفاعلة، وتُعرف تلك الجهود بالإعلام التنموي الذي يسهم بتشكيل الاتجاهات وتعميق القناعات التي تنعكس على توجهات صنّاع القرار.

وانطلاقًا من مفهوم الإعلام التنموي، وسعيًا إلى الوقوف على طبيعة التغطية الإعلامية المرافقة للإعلان عن خارطة الطريق لتحديث القطاع العام، صمّم مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) عينة اشتملت على صحيفتين يوميتين ومحطتين تلفزيونيّتين، وإذاعة واحدة، و23 موقعًا إخباريًّا، في الفترة ما بين 15 تموز إلى 15 من تشرين الأول، وقد وفّرت العينة 66 مادّة من وسائل الإعلام المرصودة.

وجاء في نتيجة الرصد ضعف التغطية الإعلامية بشكل واضح، واتجهت التغطيات إلى نمط التقارير الصحفيّة بنسبة بلغت 77 بالمئة، مقابل 23 بالمئة مقالات رأي، وكانت التقارير معتمدة على المؤتمرات الصحفيّة التي عقدتها الحكومة، ولم يُرصد أيُّ جهد آخر يتجاوز الإعلان الحكومي. بذلك يكون الإعلام، قد أغفل الدور التوعوي لأهمية التعديلات الإدارية، وتفسير بنودها لجمهور المتلقين، خصوصًا بعد تعرض بعض من مخرجات لجنة تحديث القطاع العام إلى سهام النقد فيما يتعلق بأمور حيوية تهم الشارع الأردني مثل التوجه لإلغاء وزارة العمل.

ويشير (أكيد) إلى أنه لم يجد من خلال عيّنة البحث أيّ تقارير تعرض وتوضح البنود التي احتوت عليها خارطة طريق تحديث القطاع العام بالتفسير والتحليل بشكل معمق، باستثناء تقرير حمل بعضًا من التفاصيل، وبيّنأن خارطة طريق منظومة التحديث تتمحور حول سبعة مكوّنات، هي: الخدمات الحكومية التي تضمن تقديم خدمات ميسرة للمواطن، الموارد البشرية التي تشمل بيئة جاذبة للكفاءات ومُمكّنة للإنجاز، رسم السياسة وصنع القرار بما يضمن فعالية التخطيط وصنع القرار والتنفيذ، الإجراءات والرقمنة، التشريعات الداعمة لتطوير القطاع العام، الهيكل التنظيمي والحوكمة، وخلق ثقافة المؤسسية وتعزيز الابتكار.

كما لاحظ (أكيد) غياب الرؤية النقدية فيما يتعلق بتشكيل لجنة تحديث القطاع العام، فمقارنة بلجنة تحديث المنظومة السياسية التي تألفت من 92 عضوًا يمثلون مختلف الأطياف السياسية والفكرية ومختلف القطاعات، جاءت اللجنة المعنيّة بتحديث القطاع العام ذات طابع حكومي برغم مشاركة عدد من القطاع الخاص، حيث شُكِّلت برئاسة رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة وضمت في عضويتها عددًا من الوزراء العاملين ومن القيادات الإدارية، وعلى ذلك لم يُرصد أي تقرير يتناول هذا التباين في النهج الحكومي في التعامل مع اللِّجان بالنقد والتحليل أو حتى التبرير.

وتتبع (أكيد) ما نقلته وسائل الإعلام حول تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بإجراء حوارٍ وطنيٍ على مستوى الأقاليم الثلاثة (الوسط والشمال والجنوب) بشأن خارطة الطريق لتحديث القطاع العام، لأخذ الآراء والمقترحات، على أن ينتهي الحوار في كانون الأول المقبل.

 وذكرت وسائل الإعلام أن الحكومة رحبت بأي أفكار أو ملاحظات موضوعية أو نقد بنّاء يُطرح بشأنها، لكن وسائل الإعلام لم تسائل الحكومة حول تغييب الحاجة إلى جولة واسعة من الحوار الوطني فور نشر خطة تحديث القطاع العام، ما اضطرها إلى الاستعانة بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي لهذا الغرض. 

واكتفى الإعلام بنقل مواقف الأطراف المختلفة من خطة التحديث دون السعي لتعويض غياب الحوارات الوطنية في المرحلة التي تلت نشر الخطة. ولم تتجاوز  التقارير الصحفية المنشورة 15 تقريرًا من مجمل العيّنة المرصودة. كذلك كان الخطاب الإعلامي نخبويًّا، الأمر الذي شكل ما يعرف بـ "الفجوة المعرفية"، والتي تبرز نتيجة تدفق المعلومات إلى فئة معيّنة دون أخرى، ولم تُرصد تقارير تبين آراء الجمهور العام أو موقف الشارع من محاور التحديث، أو تقيس مدى إدراكهما لمحاور الخطة.

ويوصي (أكيد) بعدم إغفال الدور الّرقابي من خلال مراقبة أعمال الحكومة في تنفيذ بنود خطة التحديث عن طريق مؤشرات أداء قابلة للقياس، مع ضرورة الأخذ بالمؤشرات الدّولية الخاصّة بالأردن مثل تقاريرالبنك الدولي وغيره التي تشير إلى ضعف أو تحسن الأداء بشكل عام.

تحقق

تحقق