التقرير الشهري- أيلول ( سبتمبر) 2014

هل خسر الإعلام معركة "استقلال القضاء"؟

تسهم وسائل الإعلام، بشكل أو بآخر في تحديد أولويات الجمهور، وإعادة ترتيبها، تفعل ذلك، عندما تحدد القضايا التي ستحظى بالمتابعة والتحليل، والمساحة الأكبر من التغطية، فتوجه اهتمام الجمهور إليها، وتجعل منها مادة للنقاش العام، أو على النقيض من ذلك، عندما تغفل قضايا معينة، أو تمر عنها مرورا عابرا، ثم تزيحها من الواجهة الرئيسية للمشهد.

ومن تابع التغطية الإعلامية خلال أيلول (سبتمبر) الماضي لما عُرف بقضية "ذهب عجلون"، ورأي كيف انشغل الإعلام، وشغل الناس، خلال العشرة أيام التي تفاعلت فيها القضية، بخبر "العثور على كنز"، في وقت كانت تمرّ فيه بهدوء، قضية مركزية، هي مشروع قانون "استقلال القضاء" ، الذي أقره مجلس الأعيان بالتزامن مع حادثة عجلون، سيجد أن هذا كان تطبيقا عمليا على ذلك.

لقد مرّرت الصحف، بهدوء، مشروع قانون بحجم "استقلال القضاء"، أحد أكثر القوانين ارتباطا بمصالح الناس، وصمام الأمان لجوهر وجودهم المادي والمعنوي في وطنهم، وخلال الستة أشهر التي قطع فيها مراحله الدستورية، منذ إقراره في مجلس الوزراء، يوم 30 آذار (مارس) الماضي، مرورا بمجلس النواب، ثم إقراره في "الأعيان"، يوم 21 أيلول، فإنها لم تنبّه الجمهور إلى مكانة هذا القانون في حياته، وتأثيره فيها،  ولم تتابع تطورات صياغته، بتغطيات نوعية، تكفل تحوّله إلى موضوع للنقاش العام، الأمر الذي كان سيسهم في تشكيل رأي عام فيه، ما يضمن في النهاية جودته، ووصوله إلى أهدافه الإصلاحية، إذ يثبت التحليل أن التغطية في الصحف الخمس[1]، اشتملت على الاختلالات المهنية الآتية:

  • ضعف التغطية كميّا، وعدم تناسبها مع أهمية القانون، لا من حيث المساحة، ولا من حيث عدد الأخبار، التي كانت في حدّها الأقصى، عند إحدى الصحف 18 خبرا، خلال 6 أشهر، أي بمعدل 3 أخبار في الشهر، في حين كانت أقل من ذلك في باقي الصحف. وعلاوة على ذلك، فإنه كما سيتضح من التحليل، فإن أكثر من نصف هذا العدد في ثلاث صحف، وما يقارب النصف في صحيفة رابعة، كان مواد صحفية جاهزة.

استقلال القضاء 1

  • غطّت الصحف مشروع القانون منزوعا من سياقه، فلم توضح حقيقة أن هذا المشروع يأتي استجابة للتعديلات الدستورية للعام 2011، إذ لم تربطه التقارير والأخبار، إلا بشكل عابر ومبهم بهذه التعديلات. كما أن التغطية لم تنبه إلى مشروع قانون سابق لاستقلال القضاء، سبق لمجلس النواب أن ردّه، في حزيران (يونيو) 2013، لمواجهته معارضة واسعة وسط القضاة.
  • لم تعرض التغطيات، بشكل أمين ومتوازن، موقف القضاة من مشروع القانون، فلم تنقل، بشكل حقيقي للرأي العام، الجدل المصاحب للمشروع في الوسط القضائي، ومعارضة قسم منه المشروع.
  • لم تنقل التغطيات بأمانة وتوازن الجدل الذي كان مسرحه جلسات نقاش المشروع في مجلس النواب، فنُقل الجزء الأكبر من جلسات النواب على شكل "بلاغات"، قيل فيها للناس، إن النواب "أقرّوا" هذه المادة أو "وافقوا" على تلك، من دون نقل النقاش الذي سبق هذا الإقرار، أما في المواد التي نُقل انقسام النواب عليها، فإن التغطية كانت سطحية، اعتمدت مداخلات، كانت في الغالب، مبتورة أومشتتة، وخاضعة، في بعض الصحف، كما سيتبيّن، إلى الانتقائية.

ما سبق من ثغرات في التغطية، أدى إلى أن يُصدّر مشروع القانون إلى الجمهور ضبابيا، خصوصا المواد المفصلية فيه، مثل صلاحية المجلس القضائي إنهاء خدمة القاضي، والاستقلال المالي والإداري للمؤسسة القضائية، ومبدأ انتخاب أعضاء في المجلس القضائي. ولا يُقصد بالضبابية المستوى المباشر للفهم، إذ سُردت جميع هذه المواد بلغة واضحة، ولكن الضبابية هي في علاقة هذه المواد بجوهر استقلال القضاء، وما إذا كانت التغييرات المقترحة في المشروع الجديد تحقق ذلك.

ولم تدعم الصحف تغطيتها، إلا في ما ندر كما سيتّضح، بتقارير تحليلية تضيء الجوانب المهمة في المشروع، وتربطها بسياقها الأهم، وهو مصالح الناس، فتكشف لهم العلاقة بين النصوص القانونية الجامدة ومصالحهم  المباشرة،  وتنهض بجوهر مسؤولية الإعلام، في أن يوجه بوصلة اهتمام الجمهور إلى ما يؤثر في حياته حقا.

تغطية "استقلال القضاء" منزوعا من سياقه

في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، أُقر تعديل للمادة 27 من الدستور، وكان نصّها: "السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر جميع الأحكام وفق القانون باسم الملك"، فعُدّلت هذه المادة بإضافة كلمة "مستقلة" إلى عبارة "السلطة القضائية"[2]. كما عُدّلت المادة 98 من الدستور، فأُقر إنشاء مجلس قضائي يتولى جميع شؤون القضاة النظاميين، وحُصر تعيينهم بالمجلس القضائي[3].

وكان هذه التعديل جزءا من حزمة تعديلات دستورية أٌقرّت آنذاك، ومُنحت وقتها مهلة 3 سنوات، لتغيير القوانين بما يتواءم معها. وكان قانون استقلال القضاء للعام 2001، النافذ حاليا، من بين القوانين واجبة التعديل، إذ حتّم إضافة وصف "مستقلة" إلى "السلطة القضائية" صياغة قانون جديد، يحقق استقلالا فعليا لها. وقد تقدمت الحكومة العام 2013 بمشروع قانون معدل لاستقلال القضاء، لكنه ووجه بمعارضة واسعة بين القضاة، وردّه مجلسا النواب والأعيان، في حزيران (يونيو) 2013، كما سبق الذكر.

بذلك، فإن مشروع القانون الحالي، هو المحاولة الحكومية الثانية، للخروج بصيغة قانون استقلال قضاء، يوائم التعديلات الدستورية ، لكن هذا المشروع، واجه هو أيضا معارضة قضاة، طالبوا بردّه في بيان، أصدروه يوم 23 أيلول (سبتمبر) الماضي، أي بعد يومين من إقرار مجلس الأعيان المشروع، ونشرته مواقع إلكترونية، أشاروا فيه إلى ضرورة تطبيق المعايير الدولية لاستقلال القضاء، ومنها أن يكون المجلس القضائي "منتخبا كليا أو جزئيا"، واعتماد "أسس ومعايير موضوعية وعادلة" في اختيار القضاة وتعيينهم وترفيعهم وعزلهم، وتوفير ضمانات للأمن الاجتماعي والاقتصادي للقضاة، من خلال تأمين رعاية طبية "لائقة"، و"الأجر الملائم"، و"السكن المناسب"، و"المعاش التقاعدي".

إذن، هناك التعديلات الدستورية التي جاءت استجابة للمطالبات الشعبية في الإصلاح، وما يحتمه ذلك من إصدار قانون يحقق استقلالا فعليا للقضاء، وهناك محاولتان حكوميتان للخروج بصيغة لهذا القانون، اتهم الوسط القضائي كليهما بأنهما لا ترقيان إلى المعايير الدولية لاستقلال القضاء، هذه كانت جوانب السياق الذي تحرك فيه حدث إقرار قانون جديد لاستقلال القضاء في الأردن، وخلفية ضرورية لفهم الحدث بشكل شمولي متكامل، من خلال وضعه في صورته الكلية، الذي كان وضعه فيها سيبرز التساؤل الآتي: هل تحاول الحكومة الالتفاف على الإصلاح الذي ضمنته  التعديلات الدستورية؟

ما فعلته الصحف هو أنها، في مجمل تغطيتها، غطّت الحدث شبه منزوع من سياقه، فلم تشر أي تغطية إلى المشروع الذي سبق لمجلس النواب أن رده العام الماضي. أما علاقته بالتعديلات الدستورية، فقد ربطته التغطيات بها، ولكن بشكل ضبابي، لم يوصل ولو بالحد الأدنى صورة واضحة لهذا الارتباط، وساهم في ذلك أن الصحف اعتمدت في ذلك فقرات جاهزة، اعتمدتها جميعها خلفية موحدة للحدث، ولكنها لم تفلح في إضاءته.

لقد وردت الإشارة إلى ارتباط القانون بالتعديلات الدستورية 20 مرة في التغطيات الـ75، كانت 6 منها في الدستور، و5 في كل من “الرأي” و”العرب اليوم”، واثنتان في كل من “السبيل” و”الغد”.

13 من الإشارات الـ20، كانت فقرة موحدة، مقتبسة من (الأسباب الموجبة للقانون)[4]، نصها "ويأتي مشروع القانون وفق أسبابه الموجبة تنفيذا للتعديلات الدستورية، وتأكيدا لاستقلال السلطة القضائية، وانسجاما مع الفقرتين "2 و "3 من المادة 98 من الدستور، واستجابة لنص الفقرة "2" من المادة 128 من الدستور، ولما يقتضيه استقلال القضاء من ضرورة تعزيز مكانة القاضي وسمعة الوظيفة القضائية، ورفد الجهاز القضائي بالكوادر المؤهلة وتدريبها والمحافظة على الاستقرار الوظيفي".

وفي هذه الفقرة، فإن أرقام مواد الدستور،هي ما يوضح ارتباط مشروع القانون بالتعديلات الدستورية، لكن الصحف، حذفت أرقام المواد من الفقرة، إلا في تغطية واحدة لكل منها[5]، وأبقت على الجزء الإنشائي من الفقرة، كما أنها في المرة الوحيدة التي أوردت فيها أرقام المواد، مرت عليها من دون أن تذكر فحواها، ليعرف القارئ ما هي التعديلات الدستورية المقصودة.

في السياق نفسه، هناك 5 مواضع من التي أشير فيها إلى ارتباط مشروع القانون بالتعديلات الدستورية، واحدة في كل صحيفة، كانت أيضا فقرة موحدة، هي تصريح لرئيس اللجنة النيابية القانونية، يقول فيها إنه "سيتم إجراء تعديلات على نصوص ومواد القانون، تحيط القضاة بسياج عال من الضمانات، تكفل لهم استقلالهم، تماشيا مع التعديلات الدستورية التي نصت على استقلال القضاة، وترسيخ ذلك". فاستخدمتها الدستور و”الرأي” و”الغد” حرفيا، في حين غيرت “السبيل” و”العرب اليوم” بشكل طفيف في العبارة الأخيرة، ولكنه كان تغييرا متطابقا في الصحيفتين.[6]

أما الإشارتان 19 و20، فقد وردتا في الدستور، وهما تصريح لوزير العدل يقول فيها إن "التعديلات الدستورية رسخت الفصل بين السلطات، وأن السلطة التنفيذية لا علاقة لها بتعيين القضاة، أو رئيس محكمة التمييز"، وفي تغطية بيان منظمات مجتمع مدني، قالت فيه إن مشروع القانون يأتي "بعد إجراء تعديلات دستورية تؤكد الاستقلال التام للقضاء".

ووسط كل هذا، فإن “العرب اليوم”، كانت الوحيدة التي أضافت إلى الفقرات الجاهزة، في إحدى تغطياتها، إشارة واضحة إلى أن هناك مهلة ثلاث سنوات، لتعديل القوانين، ومن بينها استقلال القضاء، بما يتلاءم مع التعديلات الدستورية، ولكنها ذكرت معلومة خاطئة، هي أن التعديلات الدستورية أصبحت نافذة في الأول من تشرين الثاني 2011[7]، والصحيح، أنه تشرين الأول[8].

واضح مما سبق أن الإشارات السابقة إلى العلاقة بين مشروع القانون والتعديلات الدستورية للعام 2011، لم تفلح في توضيح جانب مهم من السياق، فالنصوص التي استخدمتها الصحف لهذا الغرض، وكان معظمها موحدا، و"يُلصق" آليا بالتقارير، لم تقل أكثر من أن هناك تعديلات دستورية، وهي تكفل استقلال القضاء، لكن من دون توضيح حقيقي لما يعنيه ذلك.

تهميش القضاة المعارضين للمشروع

يوم 10 نيسان (أبريل) الماضي، نشر موقع جفرا نيوز، أن 100 قاض تقدموا بمذكرة إلى رئيس المجلس القضائي، يطلبون الاجتماع معه، لحثه على إلغاء المادة 38 من مشروع قانون استقلال القضاء، التي تتضمن بندا يجيز محاكمة القاضي، وإلزامه بدفع تعويض، في حال ثبت أنه ارتكب خطأ أثناء نظره لأي قضية، وذلك بناء على شكوى من أي مواطن متضرر.

ووفق الخبر، فإن القضاة لفتوا إلى وجود جهاز تفتيش قضائي داخلي، تُقدّم الشكاوى إليه، وله صلاحية إيقاع "عقوبات تأديبية" على القضاة في حال ارتكابهم أخطاء، تصل إلى الإحالة إلى التقاعد، مضيفين أن التقاضي على درجات، والقرار الخاطئ في درجة، سينظر فيه قاض آخر في درجة أعلى، ويعدله. وطالب القضاة، وفق الخبر، الحكومة أن توفر "بيئة نظيفة لعمل القضاة قبل محاكمتهم، وأن تعطيهم حقوقهم قبل مطالبتهم بالتزامات"، قائلين إن القاضي في محكمتي الصلح والبداية ينظر في ما بين 50-60 قضية يوميا، في حين لا يزيد العدد في دول أخرى عن 12 قضية.

 وحسب الخبر ذاته، فإن رئيس المجلس القضائي نفى تسلمه أي مذكرة، وقال إن "مشروع القانون لم يعرض عليه، وإنه  ما زال في مجلس الأمة، وإنه سيكون هناك مندوبون من الجهاز القضائي للاطلاع على القانون".

يوم 15 نيسان الماضي، نشرت مواقع إلكترونية، منها عمون وجفرا نيوز والعراب، خبر اجتماع عقده قضاة في قصر العدل في عمان، اعترضوا فيه على مشروع القانون"، وطالبوا بسحبه، أو تعديل نصوصه الخلافية. ووفق الأخبار، فإن القضاة، الذين كانوا وفق خبر جفرا 150 قاضيا، والعراب حوالي 200، شكلوا لجنة متابعة برئاسة قاضي محكمة استئناف عمان، كٌلّفت، بجمع ملاحظات القضاة على المشروع، والتواصل مع رئيس المجلس القضائي، ومجلسي النواب والأعيان.

يوم 7 أيار (مايو) الماضي، بعثت هذه اللجنة رسالة إلى رئيس المجلس القضائي، تصف فيه مشروع قانون استقلال القضاء بأنه "لا يحقق الأمل المنشود الذي طال انتظاره في تكريس الاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية، ولا يلبي طموحات القضاة في قانون حضاري ومتطور يتوافق مع المعايير الدولية للقضاء المستقل". وتضيف الرسالة، أن اللجنة توافقت على "مقترحات" تطلب من رئيس "القضائي" مخاطبة أعضاء مجلس الأمة بشأنها.

ويوم 11 حزيران، وكانت اللجنة القانونية في مجلس النواب قد بدأت مناقشة مواد المشروع، أعلن قضاة[9] تشكيل "تكتل قضاة من أجل استقلال القضاء"، ردّا على "استبعاد مجلس النواب لأعضاء اللجنة القضائية التي انبثقت عن اجتماع الهيئة العامة للقضاة من مناقشات اللجنة القانونية لمشروع القانون". وأعلن التكتل أنه سيشكل لجنة إعلامية، ستعقد لمؤتمر صحفي، تُدعى إليه وسائل إعلام أردنية ودولية، لشرح وجهة نظره في "الحد الأدنى لمتطلبات استقلال القضاء الواجب توافرها في القانون  والأشخاص والهيئات التي تعمل على إعاقة تحقق ضمانات الاستقلال للقضاء الأردني".

في 18 آب (أغسطس) أصدرت 9 منظمات مجتمع مدني بيانا، أشارت فيه إلى "مقترحات" للجنة القضائية السابقة الذكر، تتعلق بـ"إعطائهم الحق في انتخاب ممثليهم في المجلس المجلس القضائي"، بما يحقق "التوازن" في تركيبة المجلس،  وضرورة تقييد إحالة القاضي إلى الاستيداع أو التقاعد "بمسببات واضحة في القانون"، إضافة إلى دعم المؤسسة القضائية بـ"استقلال مالي وإداري وفقا للمضمون المعياري في المعايير الدولية". وطلبت المنظمات من أعضاء مجلس النواب أن "يطلعوا على هذه المقترحات، وأن تحظى بتأييدهم باعتبار أن القضاة هم الأكثر قدرة على تحديد احتياجاتهم".

في 23 أيلول، بعد يومين من إقرار مجلس الأعيان مشروع القانون، أصدر القضاة المعارضون بيانهم السابق الذكر، وفيه إنهم "يشعرون بالإحباط والغضب الشديدين، وتشكل لديهم الاعتقاد الجازم، بأن هناك قوى شد عكسي لا تريد أن ترى إلا قضاء ضعيفا ومسيطرا عليه"، ووصفوا مشروع القانون بأنه "مخالف للدستور ولا يحقق شيئا من معايير استقلال القضاء المعتمدة دوليا"، وحددوا جوانب معينة في مشروع القانون، تتعلق بالتأمين الصحي، والأجر، والراتب التقاعدي، والإسكان، واعتماد مبدأ انتخاب قضاة في المجلس القضائي، واعتماد "أسس ومعايير موضوعية في اختيارهم [القضاة] وتعيينهم وترفيعهم وعزلهم وفق أعلى درجات النزاهة والشفافية".

جميع ما سبق، كان مسرحه الأساسي مواقع إلكترونية، في حين كانت الصحف اليومية "شبه غائبة" عن المشهد، فـ”الرأي” لم تشر في تغطياتها إلى وجود معارضة في الوسط القضائي، وأشارت الدستور مرتين، عندما نشرت إعلان تشكيل تكتل "قضاة من أجل استقلال القضاء"، وكان هذا في خبر مقتضب (90 كلمة)، لم يزد عن أن قال إن قضاة يحتجون على "استبعاد" اللجنة القانونية النيابية لهم، من مناقشات مشروع القانون، قرروا تشكيل كتلة، ومخاطبة الإعلام، من دون أن يضيف الخبر أي معلومة، تجعله مفهوما.

والمرة الثانية، عندما نشرت خبر بيان منظمات المجتمع المدني السابق الذكر. لكن الخبر، عدا أنه افتقر إلى أي خلفية تجعل القارئ يفهم ما يتحدث عنه البيان، فقد صيغ بطريقة، لا يفهم منها إلا المطلع أن هناك معارضة قضائية، فهو يشير إلى "المواضيع التي تحتاج إلى إعادة النظر بما يتعلق باستقلال السلطة القضائية ماليا وإداريا"، ثم ينقل عن البيان طلب المنظمات من أعضاء مجلس النواب "أن يطلعوا على المقترحات التي قدمتها اللجنة القضائية المنتخبة من القضاة"، من دون أن يطرح، بوضوح، الاستقلال المالي والإداري للسلطة القضائية، بوصفه أحد مقترحات اللجنة القضائية، التي أشار إليها في ذيله.

أما “السبيل”، التي كانت اليومية الوحيدة التي نشرت خبرا عن نية القضاة عقد اجتماعهم السابق الذكر، فقد اشتركت مع ”الغد” و”العرب اليوم”، في أنها غطّت اعتراض القضاة بوضوح أكبر، أي أنها قالت إن هناك اعتراضات في الوسط القضائي على المشروع، لكن الصحف الثلاث، في تغطيتها هذه الاعتراضات، اشتركت في ما يأتي:

  • أولا:  قصرت احتجاجهم على مادة واحدة، هي (38)، المتعلقة بمحاكمة القاضي لدى ارتكابه أي خطأ أثناء التقاضي، ولم تغط نقاط الخلاف الأخرى، المتعلقة بالاستقلال المالي والإداري، وأسس التعيين وإنهاء الخدمات، وانتخاب أعضاء المجلس القضائي، التي أشار إليها القضاة في بيانهم.
  • ثانيا، غطّت معارضتهم في مرحلة مبكرة من مراحل المشروع، في نيسان، وهي المرحلة السابقة لبدء اللجنة القانونية النيابية مناقشته رسميا، في حزيران، وباسثناء تغطية للغد، في 8 أيار، فقد غُيّب القضاة المعارضون، في المراحل اللاحقة، أثناء مناقشة المشروع في اللجنة القانونية النيابية، وجلسات النواب والأعيان، علما بأن نشاطهم المعارض للمشروع استمر، كما تقدّم، خلال هذه الفترة. وقد أشارت “السبيل” في تغطية إحدى جلسات النواب، في أيلول، إلى انتقاد وجهته النائب هند الفايز، إلى اللجنة القانونية، لرفضها الاستماع إلى 350 قاضيا ومحاميا حاولوا التواصل معها، ونقلت ردّا مختصرا لرئيس المجلس القضائي هو أن "القضاة يمثلهم المجلس القضائي"، وأنه "شكل لجنة لحضور مناقشات مشروع القانون بعد مخاطبه بهذا الشأن". لكن التغطية مرّت على هذه المداخلة بشكل عابر، ولم تقدم أي تفاصيل، توضح من هم هؤلاء، ولماذا حاولوا التواصل مع اللجنة القانونية.
  • ثالثا، اشتركت الصحف الثلاث في محدودية المساحة التي منحتها لمعارضة القضاة، فمنحتهم”العرب اليوم”، صوتا في تغطية واحدة من أصل 13، و”السبيل” في اثنتين من أصل 10، و”الغد” في ثلاث من أصل 17. وعلاوة على محدودية هذه المساحة، فإن الصحف لم تمنحهم فرصة استثمارها بشكل حقيقي، فقد استخدمت “الغد” و”السبيل” لبيان اعتراض القضاة على المادة (38) نصا موحدا يتكون من 250 كلمة تقريبا، ملخصه أن 100 قاض طالبوا بإلغاء المادة 38، وبينوا أن للنظام القضائي نظام محاسبة داخلي فاعل، وطالبوا الحكومة بتوفير بيئة عمل "نظيفة". وقد استُخدم هذا النص في جميع تغطيات اعتراض القضاة على هذه المادة، في الصحيفتين، وعددها خمس.

وقد تبين بعد تقصي مصدر هذا النص، أن أقدم تاريخ نشر له كان في موقع جفرا، في سياق تغطية الصحفية سحر القاسم لاعتراضات القضاة على هذه المادة، يوم 10 نيسان الماضي، ثم أعادت الصحيفتان نشره في أكثر من تغطية، دون إشارة إلى المصدر الأصلي[10].

لكن تجب الاشارة إلى أن “العرب اليوم”، ضمّنت تغطيتها  رأي خبير قانوني، شرح وجهة نظر القضاة في هذه المسألة. ما عدا ذلك، فإن تغطية اعتراضات القضاة في الخمس تغطيات الباقية، كانت تقريبا تغطية واحدة، كُرّرت 5 مرات. وهنا، فإن الصحف، ، لم تعمل منصة لإثارة بذلك النقاش، الذي تنمو فيه وجهات النظر، وتتبلور من خلال التفاعل الحر بين أطراف الحدث.

تغطية مجلس الأمة

كان يمكن لتغطية مناقشات "النواب" و"الأعيان"، سواء في اجتماعات لجنتيهما القانونيتين، أو جلسات المجلسين، أن تسد جزئيا ثغرة شبه غياب معارضة الجسم القضائي، من خلال نقل نقاشات أعضاء مجلس الأمة مواد المشروع، لكن التغطيات لم تفلح في سدّ هذه الثغرة.

ففي ما يتعلق بمجلس الأعيان، فقد غطته "الدستور" و”الرأي” و”الغد”[11] بخبرين لبترا، الأول 50 كلمة وقالت فيه إن اللجنة القانونية في "الأعيان"، أقرت القانون كما ورد من النواب، ولم يتضمن الخبر إشارة إلى أي مناقشة، فضلا عن أنه لم يتضمن إشارة إلى أي مادة. والخبر الثاني، كان إقرار مجلس الأعيان القانون، ولم ينقل أيضا أي نقاش، لكنه أشار إلى بعض مواد المشروع، وهي، تشكيلة المجلس القضائي، وسن تقاعد القضاة، وإنشاء صندوق [تكافل اجتماعيٍ] للقضاة.

في المقابل، فإن ما اهتمت به الصحف كان تغطية مجلس النواب، لكن تغطياتها جميعها،  اشتملت على واحدة أو أكثر من السمات الآتية، أو كانت في كثير من الأحيان "خليطا" منها:

  • لم تنقل أي نقاش لمعظم مواد القانون، واكتفت بإبلاغ الجمهور أن المجلس أقر هذه المادة أو تلك، من دون أن تغطي النقاش الذي سبق إقرار هذه المواد.
  • في المواد الي نُقلت مداخلات نواب بشأنها، فهي إما مرّت مرورا عابرا عنها، رغم أن بعضها كان مواد خلافية، أو نقلت نقاشا مفصلا، ولكنه كان نقلا سطحيا، ركز على هوامش هذه القضايا أو (و) اعتمد أسلوب الاقتباسات المبتورة، أو المبهمة، والمعزولة عن أي سياق أو خلفية.
  • جزء كبير من التغطية، كما سيُوضَّح لاحقا، كان مادة صحفية جاهزة. معظمها أخبار "بترا"، التي شكلت ما يقارب أكثر من نصف تغطية بعض الصحف لمشروع القانون.

وفي ما يأتي تفصيل ذلك:

  • النواب .. كتلة واحدة صماء

في قسم كبير من المواد أو البنود، التي أشارت التغطيات إلى أن المجلس، أو لجنته القانونية، قد  أقرها، أو رفضها، اكتُفي بإبلاغ القارئ بالنتيجة النهائية، وهي إقرار المواد، من دون أن يُنقل النقاش المفترض أنه سبق هذا الإقرار، واستخدمت عبارات مثل "أقر المجلس" و"وافق النواب"، و"اشترط النواب"، و"رفض المجلس"، بما جعل المجلس يبدو، في كثير من المواضع، كما لو أن أعضاءه كتلة واحدة بلا ملامح. ومن أكثر التغطيات تمثيلا على ذلك، تغطيات جلسة 9 أيلول الماضي، في “العرب اليوم” و”الغد”، وجلسة 10 أيلول في "الدستور"، و”الرأي” و”السبيل”، التي كانت بكاملها سردا لقرارات.

ففي "الدستور"، من بين 52 موضوعا[12] لمادة أو بند، اشتملت عليها تغطيات الجلسات، كانت تغطية 28، منها إبلاغ بأن المجلس أقرها دون شرح، وفي “الرأي”، من 44 عنوانا، كان هناك 25 إبلاغا بالإقرار، و”الغد”، من 34 عنوانا، كان هناك 20 إبلاغا بالإقرار، و“العرب اليوم”، من 24 عنوانا، كان هناك 17 إبلاغا بالإقرار، و“السبيل”، من 16 عنوانا، كان هناك 10 إبلاغات. وفي ما يأتي جدول يوضح ذلك:

استقلال القضاء 2

بالتأكيد، لن تتمكن أي تغطية من نقل كل النقاش الدائر في جلسة قد تستمر ساعات، ومفهوم تماما أنها ستضطر إلى الاكتفاء بنقل النتيجة النهائية للتصويت على كثير من المواد، ومفهوم أن يُكتفى بذلك، في بنود لا يبدو "ظاهريا" أنها مواد خلافية، ومنها ، قواعد السلوك التي يجب على القاضي الالتزام بها، ومدة الخدمة المحتسبة لغايات التقاعد، وإنشاء ناد اجتماعي للقضاة، وحظر أن يتدخل أي شخص في شؤون القضاء، وإقرار آليات عقد جلسات المجلس القضائي.

لكن، إذا كان مفهوما أن تُمرّر مواد كالتي سبقت دون نقل مناقشاتها، لأنها تبدو مواد غير خلافية، وقد يخطر لمن يتابع التغطيات أنها لم تثر أي جدل، فإن هذا لا ينطبق على مواد أخرى، سيعرف من يقارن التغطيات ببعضها، ومن يتابع الجدل خارج جلسات "النواب" على مشروع القانون، أنها كانت مواد خلافية، ومن أبرزها  إقرار المجلس منح المجلس القضائي، صلاحية "إنهاء خدمة أي قاض لم يكن مستكملا مدة التقاعد أو الاستيداع لعدم الكفاءة فقط إذا كان تقريره السنوي الصادر عن المفتشين لمدة سنتين متتاليتين أقل من جيد"، وأُقر هذا النص، بمرافقة نصّ آخر، كانت "الدستور" هي الصحيفة الوحيدة التي نقلته ويقول إنه "لا يجوز لعضو المجلس حضور اجتماع المجلس الذي يبحث موضوع إحالته على التقاعد".

لقد نقلت “العرب اليوم” و”الغد” إقرار المجلس النص السابق دون أن تشيرا إلى أنه أثار أي جدل، واكتفت “الرأي” بأن قالت إنه جرى "نقاش مستفيض" بشأنه، دون أن تنقل للقراء أي كلمة من هذا النقاش المستفيض، لكننا سنعرف من تغطية "الدستور" للجلسة ذاتها، أن نائبا طالبت بتقييد صلاحية المجلس القضائي إنهاء خدمات القضاة، لكن "الأغلبية"، وفق الصحيفة، رأت أن النص يشتمل على قيود كافية. علما بأن بيان القضاة السابق الذكر، أشار في سياق اعتراضه على مشروع القانون، إلى مسألة التعامل مع تعيين وترفيع وعزل القضاة، وشدد على خضوعها لمعايير"النزاهة والشفافية" التي نص عليها ميثاق النزاهة الوطنية.

من الأمثلة أيضا على المواد الخلافية التي مرّرتها التغطيات، من دون أن تنقل للناس أي نقاش لها،  المادة المتعلقة بإنشاء أمانة عامة للمجلس القضائي، وهي المادة التي تضمن استقلالا ماليا وإداريا للسلطة القضائية، أحد مطالب القضاة،  وكانت الحكومة قد ضمّنتها مشروع القانون، لكن مجلس النواب شطبها.

 “العرب اليوم” لم تضمن تغطيتها لهذه الجلسة، الجزء المتعلق بالأمانة العامة، و”السبيل”، أبلغت شطب المجلس للمادة، من دون توضيح لما تعنيه أمانة عامة، أو تعليق على الشطب، أما “الرأي” و”الغد”، فقد أبلغتا القراء بشطب المادة، من دون نقل أي نقاش، ثم عزّزتا الموقف الجماعي للمجلس باقتباس لرئيس اللجنة القانونية في المجلس، برر فيه شطب المادة بـ"حتى لا يتم  شغل القضاء في قضايا جانبية"، وحتى "يبتعد القضاء عن الجوانب المالية والإدارية".

وكان يمكن أن يُفهم أن ما سبق يمثل فعلا موقفا جماعيا للنواب، لكن تغطية "الدستور" أشارت إلى معارضة لهذا الشطب، عندما ذكرت طلب نائب الإبقاء على الأمانة العامة، لكنها لم تنقل عنه أي تفسير أو مبرر لطلبه.

مثال ثالث على المواد الخلافية، التي مرّرتها التغطيات بوصفها حظيت بإجماع نيابي، هي إقرار استثناء خريجي برنامج "قضاة المستقبل"[13] من شرط سن تعيين القاضي، الذي حدده المشروع بـ30 عاما، وإقرار تعيينهم في عمر 27، فلم تشر تغطيات "الدستور" و"الرأي" و"السبيل[14]" و"العرب اليوم"[15] و"الغد"،  إلى أن نقاشا دار بشأن هذه النقطة، رغم أن موقع جفرا نيوز، نقل في تغطيته للجلسة ذاتها، مداخلة للنائب عبد الكريم الدغمي، وصف فيها من استحدثوا برنامج "قضاة المستقبل" بأنهم "مخربي القضاء"، وقال إن "القضاء يحتاج إلى خبرة وممارسة طويلة"، وإنه "من غير المعقول أن يتخرج شاب من الجامعة ليصبح مباشرة قاضيا يحكم على أعراضنا وأموالنا".

وهو أمر كان المركز الوطني لحقوق الإنسان قد أشار إليه في تقاريره الثلاث الأخيرة[16]، في سياق مناقشته لتخفيض سن تعيين القاضي إلى 25 سنة آنذاك، وقال المركز إن ذلك "لا يتفق مع تعيين قضاة يفترض تمتعهم بالنضوج الفكري والعلمي والخبرة المتراكمة التي تؤهلهم للنظر في منازعات قد تكون على درجة من الجسامة (...) وتمس حقوق الخصوم المتقاضين"،  مؤكدا أن "الممارسات الفضلى في العديد من الدول في هذا المجال تشترط سنا أعلى بكثير من هذا السن".[17]

  • "المناوشات الكلامية" بوصفها "النقاش"..

"الانتخاب" نموذجا

 

يتضح مما سبق، أن أكثر من نصف التغطية، في كل صحيفة، كان مجرد إبلاغ للناس بقرارات مجلس النواب، دون أن يُنقل إليهم النقاش الذي سبقها، في وقت لا تقل القيمة الإخبارية لنقاش القرارات عن القرارات نفسها، فهي ما يضيء النصوص القانونية، ويفك غموضها، ويكشف مدى ضمانها استقلالية قضاء حقيقية، وهي أيضا ما يزود الجمهور بزوايا النظر المختلفة إلى النص القانوني الواحد، بما يساعدهم على الموازنة بينها، واتخاذ موقفهم الخاص، وهذه خدمة أساسية تقدمها الصحافة،  أن تزود الجمهور بمعلومات، تمكنه من اتخاذ قرار، والمشاركة في الأحداث الكبرى، التي من بينها صياغة القوانين التي تنظم حياته، وهي مشاركة تتم عندما تتحول القضية إلى قضية رأي عام، يؤثر في اتجاه النقاشات داخل البرلمان.

لكن اللافت هو أنه حتى في مواضع القانون التي توسعت التغطيات في نقل مناقشاتها، وكان من أبرزها انتخاب أعضاء في المجلس القضائي، وشروط تعيين رئيس محكمة التمييز، وبنسبة أقل منهما، البند المتعلق باسم القانون، وسن تقاعد قاضي الدرجة العليا، فإن التغطيات اتسمت بالتفكك، والقصور عن توظيف مداخلات النواب بما يخدم التغطية، إذ اتسمت المداخلات بالتشتت، أو الغموض الناجم عن افتقارها إلى خلفية تجعلها قابلة للفهم، أو بسبب انتزاعها من السياق. ولم تفلح هذه التغطيات، في الغالب، في نقل مواقف النواب، لأنها كانت إما مختصرة اختصارا مخلا، أو معروضة من دون تفسير يبررها ويدعمها، أو حتى خاضعة للعرض أحادي الجانب، أو غير المتوازن.

ولنأخذ مثالا على ذلك، تغطية قضية انتخاب قسم من أعضاء المجلس القضائي، أحد أهم بنود المشروع، وأحد مطالب القضاة المعارضين.

لقد أضاف النواب إلى مشروع القانون بندا ينص على انتخاب 4 قضاة أعضاء في المجلس القضائي، في حين أن المشروع كان قد نصّ على تعيين كامل أعضاء المجلس القضائي، وصوت النواب على إقرار البند بالأغلبية،  ثم عاد 58 منهم، وتقدموا، في جلسة لاحقة، بمذكرة تطلب إعادة التصويت، بهدف التراجع عن هذا البند، الأمر الذي حدث فعلا.

لقد حظيت قضية الانتخاب بانتباه كبير في التغطيات، وأخذت أكبر حجم تغطية من بين جميع مواد القانون، إذ غطّتها الصحف في 3 جلسات، هي الجلسة التي أقر فيها النواب مبدأ الانتخاب، والجلسة التي تقدم فيها النواب بمذكرة طلبوا فيها إعادة فتح المادة 4، المشتملة على البند، لإعادة التصويت عليها، وأخيرا، الجلسة التي أُعيد فيها التصويت، وأُلغي بند الانتخاب. ورغم ذلك، لم تفلح التغطيات، في المجمل، في أن تنقل للجمهور وجهات نظر النواب من مبدأ انتخاب أعضاء في المجلس القضائي، بما يجعل هذا الجمهور يفهم، ارتباط هذا البند بجوهر استقلال المؤسسة القضائية، فباستثناء اقتباسات متفرقة هنا وهناك، تناقش مبدأ الانتخاب، فإن التغطية تحوّلت عن مهمتها المفترضة، التي هي نقل انقسام النواب على مبدأ الانتخاب، إلى نقل لانقسامهم على عملية إعادة التصويت، واختُصر الأمر في نقل تفصيلي لجدل النواب يمكن اختصاره بـ(هل نفتح المادة 4 أم لا نفتحها)، وانشغلت التغطيات، في الأثناء بنقل "المناوشات" الكلامية بينهم، وصدّرت هذه المناوشات إلى الجمهور بوصفها النقاش.

 أيضا، لم تفلح تغطية مناقشة قضية الانتخاب، في أن تنقل للجمهور جانبا مهما من المناقشات، كان سيفسر تحول موقف النواب، خلال أيام قليلة، من مؤيد بالأغلبية انتخاب أعضاء في المجلس القضائي، إلى معارض بالأغلبية، والمقصود، هو دور التدخلات الحكومية في العدول عن إقرار بند الانتخاب.  لقد نُقلت على ألسنة نواب، اتهامات مبهمة بـ"التجييش"، لكن باستثناء "السبيل" التي فسّرت بأن المقصود بذلك هو "وجود تدخلات رسمية"، من دون أن تقدم أي توضيح إضافي[18]، فإن بقية الصحف، لم تفسر هذه الاتهامات، وفوّتت على الجمهور فهم هذه الاستدارة التي قام بها المجلس، في ما يتعلق بإقرار انتخاب قضاة.

لقراءة تحليل تفصيلي لتغطية الصحف الخمس بند انتخاب أعضاء في المجلس القضائي، الرجاء النقر هنا

  • التغطية بـ"الجاهز"

اقتُصرت، تقريبا، التقارير الأصلية في تغطية مشروع القانون، على تغطيات جلسات النواب، في حين اعتمدت الصحف أخبار "بترا" لتغطية اجتماعات اللجنتين القانونيتين في "النواب" و"الأعيان"، وخبري إقرار مجلس الوزراء و"الأعيان" مشروع القانون.

الأقل في اعتماد الأخبار الجاهزة، من حيث العدد وحجم التغطية بالكلمات، هي "العرب اليوم"، التي كان لديها خبران لـ"بترا" من بين 13 خبرا وتقريرا، تشكل 15% تقريبا، من عدد تغطياتها، وما نسبته 7% تقريبا من حجم التغطية بالكلمات. تلتها في عدد الأخبار الجاهزة، "السبيل"، بأربع أخبار من أصل 10، نسبتها 40% تقريبا، من عدد تغطياتها، وما نسبته 41% من حجم التغطية بالكلمات. أما "الدستور"، فقد كان لديها 10 أخبار من أصل 18، نسبتها 56% تقريبا، وما نسبته 25% تقريبا من الحجم بالكلمات. في حين كان لـ"الرأي" و"الغد" نتائج متقاربة، إذ كان هناك 9 أخبار جاهزة من أصل 17 لكل منهما، نسبتهما 53% تقريبا لكل منهما، وما نسبته 41% من مجمل حجم التغطية في "الغد"،  و40% تقريبا لـ"الرأي". وفي ما يلي جدول يوضح ذلك:

استقلال القضاء 3

استقلال القضاء 4

اختلال التغطية المتمثل في استخدام المواد الصحفية الجاهزة لم يكن فقط، في حجم المساحة التي احتلتها هذه الأخبار، لكن في نوعية الأخبار نفسها، ومثال على ذلك، اجتماعات اللجنة القانونية النيابية، التي غُطّيت جميعها بأخبار لـ"بترا"[19]، وهي الاجتماعات التي سبقت بدء مناقشة المشروع في المجلس، ومفترض أنها الفترة التي تشهد مناقشة اللجنة مواد المشروع، ومشاوراتها مع المختصين والمعنيين بالشأن القضائي.

كما غُطّي بأخبار "بترا"، إقرار مشروع القانون، في كل من، مجلس الوزراء واللجنة القانونية في الأعيان، ومجلس الأعيان. وكانت هذه الأخبار مجرد بلاغات بالغة الاختصار، مفادها أن هذه الجهات قد أقرت المشروع، دون إضافة.

يتضح، من جميع ما سبق، قصور تغطية مشروع قانون استقلال القضاء في توعية الناس به، والمساهمة في إثارة وإثراء الحوار في جوانبه المختلفة، سواء بنقل آراء القضاة المعارضين، أو بنقل واضح ومتكامل وأمين للنقاش الذي أثير حوله في مجلس النواب، وهو قصور لم تعوضه، بشكل عام، التغطيات بتقارير تحليلية، إذ اقتصرت على تقرير لـ"العرب اليوم" سبق الحديث عنه، وآخر لـ"الرأي"، ناقش بند الانتخاب، لكن معظم مساحته خُصّصت لعرض وجهة نظر معارضي الانتخاب من نواب ورسميين، في حين أن المساحة الضئيلة التي خُصصت للنواب المؤيدين، لم تعرض وجهة نظرهم، بل اقتصرت على ذكر أسمائهم. وباستثناء ذلك، فإنه لم يكن هناك تقارير تحليلية، تعرض الجوانب المفصلية لهذا القانون، وتقارن بين القانونين، الجديد والقديم، لترصد إن كان مشروع القانون الجديد يمثل إضافة حقيقية إلى جوهر استقلال القضاء في الأردن، ويحقق بالتالي الهدف من التعديلات الدستورية للعام 2011.

أما الإنجاز الأهم الذي كان يمكن للتقارير التحليلية أن تحققه، فهو تنوير الناس بارتباط استقلال المؤسسة القضائية بمصالحهم المباشرة، وحاجاتهم اليومية، فهذا الربط، هو وحده، ما كان سيوجه بوصلة اهتمامهم إلى مشروع القانون، ويشركهم في مناقشاته، بما يساهم في تشكيل رأي عام مؤثر، وهو أمر لم يحدث.

[1] "الدستور" و"الرأي" و"السبيل" و"العرب اليوم" و"الغد"

[2]. دستور المملكة الأردنية الهاشمية

[3] المصدر السابق.

[4] قائمة بالأسباب التي تبرر إصدار أو تعديل تشريع ما، ترفقه الحكومة بمشاريع القوانين التي تحيلها إلى السلطة التشريعية

[5] باستثناء "السبيل" التي لم تذكر الأرقام في أي من تغطياتها.

[6] العبارة التي استخدمتها الصحيفتان أن اللجنة "ستعمل جاهدة على تعزيز ما جاءت به التعديلات الدستورية من نصوص"

[7] “العرب اليوم”، 31/8/2014، الصفحة 2

[8] دستور المملكة الأردنية الهاشمية

[9] لم يوضح أي خبر عددهم

[10] استخدمته "الغد" في تغطياتها (12/4، و13/4، و8/5)، و"السبيل" في تغطياتها (15/4، و23/4)

[11] نشرتهما “السبيل” و”العرب اليوم” على موقعيهما الإلكترونيين، ولم تعيدا نشرهما في المطبوعة

[12] المعيار الذي اعتُمد لتحديد الموضوعات هو الآتي: إذا كانت التغطية تتحدث عن إقرار المجلس لمادة معينة حدّدتها، فإنها تُحتسب موضوعا واحدا، حتى لو تضمنت عدة فقرات وبنود. لكن ما كان يحدث في الغالب، هو أن التغطيات لم تكن تحدد أرقام المواد، التي تتبع لها النقاط التي تعرضها، ولا كانت توضح إن كانت هذه النقاط التي سردتها متتابعة، بنودا من مادة واحدة أو مواد عدّة، ولا كان السياق نفسه يساعد على الفهم، لهذا احتُسبت النقاط القريبة في المضمون موضوعا واحدا.

[13] برنامج مدته سنتان، يعقده المعهد القضائي الأردني، لخريجي بكالوريوس الحقوق، ويتأهلون بعد اجتيازه للعمل قضاة

[14] غطّت "السبيل" هذه الجلسة بخبر لـ"بترا".

[15]"العرب اليوم"، 8/9/2014، الصفحة 2. الفقرة المتعلقة بـ"قضاة المستقبل" ليست موجودة في النسخة الإلكترونية للخبر.

[16] تقارير الأعوام 2010، 2011، و2012

[17]المركز الوطني لحقوق الإنسان، التقرير السنوي السابع، العام 2010، الصفحة 25

[18] فسرت "العرب اليوم" الاتهام بالـ"تجييش" بأنه إشارة إلى التدخلات الحكومية، لكن كما سيتضح من قراءة التحليل التفصيلي لتغطيات جلسات الانتخاب، فإن "العرب اليوم" لم تربط هذا بالخلاف على الانتخاب، بل على بند آخر.

[19] لقراءة أخبار اجتماعات "القانونية النيابية" في "بترا": اجتماع (1)، (2)، (3)، (4)

تحقق

تحقق