من "تصريح" إلى "حقيقة": كيف عالج الإعلام تصريحات الطراونة حول مديونية الجامعات؟

من "تصريح" إلى "حقيقة": كيف عالج الإعلام تصريحات الطراونة حول مديونية الجامعات؟

  • 2026-08-18
  • 12

عمّان 13 آب (أكيد)- يمثل نقل تصريحات المسؤولين والشخصيات العامة جزءًا أساسيًا من العمل الصحفي، لما تحمله هذه التصريحات من تأثير في الرأي العام وفهم القضايا العامة. غير أن قوة التصريح لا تعفي الوسيلة الإعلامية من مسؤوليتها المهنية في التحقق من المعلومات، ونقل الكلام بأمانة، والحفاظ على سياقه، والتمييز بين الرأي والحقيقة.

رصد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) تغطية وسائل إعلام لتصريحات الرئيس الأسبق للجامعة الأردنية، خليف الطراونة، حول مديونية الجامعات، لتقييم مدى التزام هذه التغطيات بالمعايير المهنية والأخلاقية في نقل التصريحات ومعالجتها.[1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10]

ركزت بعض التغطيات في عناوينها على عبارة "ديون الجامعات بسبب طلبة الجسيم وأبناء العاملين"، بما يوحي بعلاقة سببية مباشرة تجعل هذه الفئات سببًا للمديونية، دون أن يقدم العنوان ما يثبت هذه النسبة. ويتعارض ذلك مع ميثاق الشرف الصحفي الذي يشترط الدقة والأمانة في صياغة العناوين، ويحذر من الإثارة التي قد تنتج انطباعًا مضللًا يتجاوز مضمون التصريحات والمعطيات المتاحة.

ويبرز الفرق بوضوح بين الطراونة: "بعض برامج القبول تشكل عبئًا على موازنات الجامعات"، الذي ينسب الرأي لصاحبه، و"ديون الجامعات بسبب طلبة الجسيم وأبناء العاملين"، الذي يحول الرأي لحقيقة ويقرر علاقة سببية تحتاج لإثبات، بما يخل بمبدأي الدقة والأمانة الصحفية.

قدمت بعض الصياغات مديونية الجامعات وكأنها نتيجة مباشرة "طلبة الجسيم وأبناء العاملين والتبادل الثقافي"، من دون أرقام أو بيانات تكشف حجم الكلفة التي تتحملها الجامعات بسبب هذه الفئات ونسبتها من إجمالي المديونية. وهذه معالجة تتجاوز حدود النقل المهني، إذ إن مبدأ الدقة والموضوعية في ميثاق الشرف الصحفي يقتضي عدم تحويل تحليل المصدر أو تقديره لحقيقة مثبتة. وكان الأجدر نسب المعلومة صراحة لصاحبها بعبارات مثل "بحسب الطراونة" أو "الطراونة يرى أن"، وإسنادها لبيانات تمكن الجمهور من التحقق من صحة هذا التفسير.

تعد مديونية الجامعات الحكومية قضية مالية وأكاديمية وإدارية متشابكة، لا يصح اختزالها في "طلبة الجسيم وأبناء العاملين" أو أي فئة محددة دون توضيح بقية العوامل المؤثرة وحجم مساهمة كل منها. فانتقاء جزء من التصريح وتقديمه بوصفه تفسيرًا كاملًا للمديونية قد يصنع صورة مبتورة ويقود الجمهور لاستنتاج مضلل، بما يتعارض مع مقتضيات الموضوعية التي تفرض عرض القضية في سياقها الكامل وتقديم المعلومات ذات الصلة.

لا تكفي في القضايا المالية ذات الأثر العام، خصوصًا المرتبطة بالجامعات الحكومية والأموال العامة، إفادة مصدر واحد لتثبيت ادعاءات أو أرقام مؤثرة. وكانت المعالجة المهنية تقتضي الرجوع للبيانات الرسمية حول حجم مديونية الجامعات، وكلفة المنح أو الإعفاءات أو برامج القبول الخاصة، ونسبة الطلبة المستفيدين منها، وحجم الكلفة التي تتحملها الجامعات فعليًا، للتحقق من المعلومات قبل نشرها، الذي يفرضه ميثاق الشرف الصحفي لضمان الدقة وعدم تقديم التقديرات أو الادعاءات المالية بوصفها حقائق ثابتة.

عندما تتضمن التغطية انتقادًا لسياسات أو امتيازات ترتبط بجهات أو فئات محددة، فإن المهنية تقتضي منح الأطراف المعنية فرصة لتوضيح موقفها.

وفي هذه الحالة، كان من المهم، إلى جانب نقل تصريحات الطراونة، الاستماع لوزارة التعليم العالي والجامعات المعنية والجهات التي تشرف على برامج الجسيم والتبادل الثقافي، وكذلك الجهات التي تمثل العاملين، لمعرفة الأساس القانوني والمالي لهذه البرامج وحجم تأثيرها الفعلي على موازنات الجامعات.

إن التركيز على طلبة الجسيم وأبناء العاملين والتبادل الثقافي كمصدر للعبء المالي قد يؤدي لتحميلهم مسؤولية أزمة أوسع تتعلق بتمويل وإدارة التعليم العالي.

وتبرز هنا أهمية التمييز بين نقل الانتقاد لسياسة أو برنامج وبين تحميل المسؤولية للمستفيدين منه، إذ تقتضي المهنية توجيه النقد للسياسات والقرارات لا للفئات الاجتماعية أو الطلابية دون أدلة واضحة. حيث يؤكد ميثاق الشرف الصحفي  على الالتزام بالدقة والموضوعية والتحقق من المعلومات قبل نشرها وعدم تحريفها أو اجتزائها،والامتناع عن نشر ما قد يثير الكراهية أو يسيء لفئات اجتماعية دون دليل موثق.

لم تلتزم جميع الوسائل الإعلامية بحق الرد والتوضيح، إذ لم تنشر بعضها توضيح خليف الطراونة بأن ما ورد حول تحميل "الجسيم" وأبناء العاملين وطلبة التبادل الثقافي مسؤولية العجز المالي "لا يعكس مضمون حديثه"، مؤكدًا: "هذا ليس ما قلته، ولا هو موقفي"، ما يشكل إخلالًا بمقتضيات ميثاق الشرف الصحفي في الدقة والإنصاف وحق الرد والتصحيح. لا سيما عندما يكون النشر السابق قد اجتزأ التصريح من سياقه أو كون انطباعًا لا يعكس مضمونه.

يؤكد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) أن نقل تصريحات المسؤولين يتطلب مسؤولية مهنية تتجاوز إعادة النشر، وتشمل التحقق من المعلومات، والحفاظ على السياق، والتمييز بين الرأي والحقيقة، فالتصريح لا يحول الادعاء لحقيقة.

وتبرز أهمية ذلك في القضايا العامة، حيث قد يؤدي الاجتزاء أو العناوين المضللة أو غياب السياق لتشويه المعنى والتأثير في الرأي العام، ما يستدعي الدقة والتوازن وإسناد المعلومات لمصادرها وإتاحة حق الرد.

فالإعلام المهني ليس مجرد ناقل للتصريحات، بل مدقق وموضح للسياق يعزز ثقة الجمهور ويعتمد على الأدلة لا الإثارة.