القضايا الطبية... عندما تتحول المعلومات الصحية إلى مادة للإثارة

القضايا الطبية... عندما تتحول المعلومات الصحية إلى مادة للإثارة

  • 2026-07-31
  • 12

عمّان 30 تموز (أكيد)- تعد قرارات المحاكم في القضايا الطبية ذات اهتمام إعلامي وجماهيري واسع لما تحمله من أبعاد قانونية وإنسانية وأخلاقية. ويتطلب تناولها من وسائل الإعلام تحقيق توازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأطراف في الخصوصية، خاصة عند وجود معلومات صحية أو بيانات شخصية حساسة.

رصد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) خبرًا حول قرار محكمة التمييز بشأن دعوى تثبيت تغيير الجنس، وبيّن أنه تضمن مخالفات مهنية رغم استناده لحكم قضائي. [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12]

استخدم الخبر عنو انًا إثاريًا بوصف القضية بأنها "أغرب القضايا"، مع إبراز صفتي "إمام مسجد" و"لديه زوجتان" رغم عدم ارتباطهما بجوهر النزاع القانوني، ما يعزز الإثارة ويوجه انطباع المتلقي. ويتعارض ذلك مع ميثاق الشرف الصحفي الذي يؤكد الالتزام بالموضوعية، وتجنب العناوين المضللة أو الأحكام المسبقة.

تجاوز الخبر حدود ما تقتضيه المصلحة العامة من خلال نشر تفاصيل واسعة عن الحياة الخاصة للمدعي، إذ أشار إلى أنه "كان يعمل إمامًا لأحد المساجد، وهو متزوج من زوجتين ولديه ستة أبناء"، فضلًا عن ذكر عمره وتفاصيل حياته الشخصية. ورغم عدم نشر اسمه الكامل، فإن تجميع هذه البيانات يزيد من احتمالية التعرف على هويته داخل محيطه الاجتماعي، وهو ما يتعارض مع حق الأفراد في الخصوصية، خاصة في القضايا ذات الطبيعة الحساسة، ويخالف مبدأ تقليل الضرر الذي يقتضي الاكتفاء بالمعلومات اللازمة لفهم القضية دون كشف تفاصيل لا تضيف قيمة حقيقية للخبر.

توسع الخبر أيضًا في نشر معلومات صحية شديدة الحساسية، فنقل تفاصيل تتعلق بالحالة النفسية والعلاج الهرموني، وأورد نتائج الفحوصات الطبية، ومنها أن المدعي "يحمل التركيبة الكروموسومية الذكرية (46 XY)، ولا يمتلك رحمًا أو مبايض"، والإشارة للعملية الجراحية التي خضع لها. ورغم ورود هذه المعلومات ضمن حيثيات الحكم، فإن إعادة نشرها إعلاميًا بهذا المستوى من التفصيل لا تبدو ضرورية لفهم القرار القضائي، وتمثل مساسًا بخصوصية البيانات الطبية التي تستوجب أعلى درجات الحماية.

اعتمد الخبر لغة قد تسهم في الوصم وتعزيز الصور النمطية، إذ جمع بين صفات مثل "إمام مسجد" و"يتحول من "أحمد" إلى "عائشة""، ثم وصف القضية بأنها "أغرب القضايا". وتؤدي هذه الصياغة لتقديم القضية بوصفها حالة استثنائية مثيرة، بدل تناولها باعتبارها نزاعًا قانونيًا انتهى بحكم قضائي، وهو ما قد يعزز التنمر أو التمييز تجاه أطراف القضية، ويتعارض مع مبدأ احترام الكرامة الإنسانية واستخدام لغة محايدة في التغطيات الصحفية.

غلب على الخبر التركيز على التفاصيل الشخصية والطبية للمدعي أكثر من تركيزه على المبادئ القانونية التي استند إليها الحكم. فقد أفاض في سرد الوقائع المتعلقة بحياة المدعي وتاريخه الطبي، مقابل عرض محدود للأساس القانوني الذي بنت عليه محكمة التمييز قرارها، ما أخل بالتوازن في التغطية، وحول الاهتمام من مناقشة الاجتهاد القضائي لإبراز الجوانب الأكثر إثارة في القضية، وهو ما يضعف القيمة الإخبارية ويبتعد عن الدور التفسيري الذي يفترض أن تؤديه الصحافة في تغطية الأحكام القضائية.

يؤكد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) على الالتزام بالدقة والموضوعية عند نشر الأحكام القضائية، وتجنب الإثارة، مع التركيز على الأسس القانونية للحكم دون الخوض في تفاصيل شخصية أو طبية غير ضرورية. كما ينبغي احترام قرينة البراءة في القضايا غير القطعية، وحماية خصوصية الأطراف، بما يضمن تغطية إعلامية مسؤولة ومتوافقة مع القوانين وميثاق الشرف الصحفي.