"لماذا لا يتم حجب مواقع الاحتيال الرقمي كما حُجبت مواقع أخرى؟" .. سؤال لم تعالجه التغطية الإعلامية

"لماذا لا يتم حجب مواقع الاحتيال الرقمي كما حُجبت مواقع أخرى؟" .. سؤال لم تعالجه التغطية الإعلامية

  • 2026-01-14
  • 12

عمّان 14 كانون الثاني (أكيد)- سوسن أبو السُّندس- حظيت قضايا النصب والاحتيال الرقمي بتغطية إعلامية متكرّرة، تناولت المخاطر المالية المرتبطة باستخدام وسائل الدفع الرقمي، وركّزت على توعية المواطنين بأساليب الخداع وسبل الوقاية الشخصية، إلّا أنّها حصرت النقاش الإعلامي في توعية الأفراد بأساليب الحماية الذاتية دون التطرّق إلى خيارات الحماية الرقمية على مستوى التنظيم والسياسات العامة.

تتبّع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) التغطيات الإعلامية المصاحبة، ولاحظ أن أغلبها اعتمد على قوالب توعوية وتقارير خدمية، من خلال عرض قصص أشخاص تعرّضوا للاحتيال، وتقديم نصائح لتجنّب الوقوع في حالات كهذه.

وفي إحدى المقابلات طرح أحد ضحايا الاحتيال الرقمي تساؤلًا يتجاوز تجربته الفردية، حيث أشار إلى قرارات سابقة بحجب منصّات رقمية متسائلًا: لماذا لا تُحجب مواقع النصب الرقمي التي تسرق أموال المواطنين في الوقت الذي سبق فيه أن حُجبت منصات رقمية أخرى بقرارات رسمية؟ ويكشف هذا السؤال عن فجوة معرفية في فهم السياسات العامة الرقمية وحدود تدخّل الدولة، وهي فجوة بقيت خارج المعالجة الإعلامية، ولم تعمل على تفكيكها أو شرحها للجمهور.[1]

في هذا الإطار، يشتمل قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 على منظومة من الأحكام للتعامل مع الأفعال الجرمية المرتكبة عبر الوسائل الإلكترونية، ويُجرّم الاحتيال وانتحال الصفة والحصول على منفعة غير مشروعة باستخدام الشبكة المعلوماتية، مع التركيز على توصيف الجرم والعقوبات وإجراءات التحقيق والملاحقة القضائية.[2]

في المقابل، لا يتضمن القانون نصوصًا تُنشئ آلية مستقلة لحجب المواقع الإلكترونية لمجرد الاشتباه، ما يجعل الحجب إجراءً استثنائيًا يخضع لتقدير السلطات المختصة ولا يُعد أداة حماية استباقية.

وتجدر الإشارة إلى أن قرارات حجب منصّات رقمية كبرى جاءت ضمن اعتبارات مختلفة، ارتبطت بالسلم المجتمعي وبمنصّات محدّدة ذات كيان قانوني واضح، وهو ما لا ينطبق على مواقع الاحتيال الرقمي التي غالبًا ما تكون عابرة للحدود ومتغيّرة النطاق.[3]

كما يثير التوسّع في الحجب دون معايير واضحة مخاوف حقوقية تتعلق بحرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، ما يضع الدولة أمام معادلة دقيقة بين حماية المواطنين من الاحتيال وتجنّب القيود المفرطة على الفضاء الرقمي.

يذكر أن غياب تغطية السياسات العامة للحماية الرقمية، أسهم في ترسيخ انطباع لدى الجمهور بأن الحماية الرقمية تُختزل في إجراء واحد هو حجب المواقع دون إدراك لتعدد أدوات التدخل المؤسسي وتعقيداتها القانونية والتنفيذية.

 يُقصد بخيارات الحماية الرقمية على مستوى التنظيم والسياسات العامة جملة الأدوات التي يمكن أن تُناقَش إعلاميًا، مثل الأطر القانونية الناظمة للتعامل مع الجرائم الإلكترونية، وآليات إنفاذ القانون وملاحقة الجهات العابرة للحدود، ودور الجهات الرقابية والتنظيمية في رصد المواقع المشبوهة، إضافة إلى سياسات التعاون الدولي. غير أنّ هذه الأبعاد لم تحظَ بحضور واضح في التغطيات الإعلامية.

يشير (أكيد) إلى أن معالجة قضايا الاحتيال الرقمي ما زالت تفتقر إلى البعد التفسيري المرتبط بالسياسات العامة، وهو ما يستدعي توسيع زاوية التغطية لتشمل شرح الأطر القانونية والتنظيمية وحدود التدخل المؤسسي، إلى جانب التوعية الفردية.