عمّان 5 كانون الثّاني (أكيد)- شرين الصّغير- في الوقت الذي يواجه فيه العالم تحديات جيوسياسية واقتصادية تتطلب أقصى درجات الوعي والتحليل العلمي المستند إلى الحقائق، تطلُّ علينا بعض وسائل الإعلام المحلية بوجبات من التوقعات الغيبية التي تفتقر إلى أدنى معايير المصداقية.
إنَّ قيام مؤسسات صحفية، يُفترضُ بها أن تكون حارسة للحقيقة، بنشر ادّعاءات منجّمة تدّعي علم الغيب، لا يمثّلُ ابتعادًا عن المهنية فحسب، بل يسهم مباشرة في تزييف وعي الجمهور، وبثّ الرعب المنظم في صفوفه تحت غطاء السبق الصحفي.[1] [2]
تتبع مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) خبرين نُشرا عبر وسيلتين إعلاميتين ليتبيّن أنهما وقعتا بمخالفات مهنية وأخلاقية؛ وتظهرُ المخالفة الأولى والأخطر في هذه التغطية من خلال اعتماد المصدر غير الموثوق كمرجعٍ أساسي للخبر، إذ إنَّ العمل الصحفي الرصين يقوم على نقل المعلومات عن مصادر مطّلعة أو خبراء متخصّصين أو تقارير رسمية، أما الارتكان إلى شخصية تدّعي استشراف المستقبل خارج نطاق البحث العلمي، فهو تخلّ طوعيّ عن الدور التنويري للإعلام، واستبدال للمعلومة الموثّقة بالخرافة التي لا يمكن التحقّق منها إلا بعد فوات الأوان، ما يضرب معيار الدقة والموضوعية في مقتل.
المواد المنشورة تجاوزت كذلك حدود الترفيه المعتاد لتصل إلى الإرهاب النفسي وصناعة الهلع، وذلك عبر استخدام لغة جازمة في التخويف من كوارث طبيعية مدمّرة وفيروسات غامضة، ودعوة الشعوب لتجهيز حقائب الطوارئ. إنَّ هذا الأسلوب يمثل انتهاكًا صارخًا للمسؤولية الاجتماعية للإعلام، فبدلًا من تقديم الإرشادات المستندة إلى العلم، تسهم هذه الأخبار في خلق حالة من القلق الجمعي الذي يؤثّر سلبًا على السلم المجتمعي والاستقرار النفسي للأفراد، وهو ما يُعرف في الأدبيات الصحفية بالتهويل غير المبرر الذي يستثمر في مخاوف البشر.
لم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال الأمن السياسي والاقتصادي عبر نشر إشاعات تتعلق باغتيالات قادة ورموزٍ سياسية أو تدهور حالتهم الصحية، وهو ما يُعدُّ اقتحامًا سافرًا للخصوصية ومخالفة للمواثيق التي تحترم كرامة الإنسان وحرمة الموت. كما أنَّ التبشير بانهيارات مالية وأرقام فلكية لأسعار الذهب والفضة دون سند اقتصادي، قد يدفع بعض الجمهور لاتّخاذ قرارات مالية متهوّرة بناء على وهم إعلامي، ما يجعل الوسيلة الناشرة شريكة في تضليل استثماري يُلحق الضرر المادي المباشر بالمواطنين.
إنَّ هذا اللهاث خلف الترند وسرعة الانتشار يعكس حالة من الاضطراب المهني، حيث يتم خلط المحتوى الترفيهي بالقالب الخبري الجاد دون أدنى تنويه للجمهور بأنَّ هذه المادة لا تمثل حقائق. إنَّ وظيفة العمل الصحفي هي الفلترة والتدقيق وحماية المتلقي من الأخبار الزائفة، لا أن يكون بوقًا لناقلي التوقّعات الذين يقتاتون على الصدفة. وبناء عليه، فإنَّ إعطاء أيّ منصّة إعلامية محترمة كل هذه الأهمية لمثل هذه الترّهات يُخلّ بالثقة المفترضة بين الإعلام والجمهور، ويمثّل تنازلًا عن القيم الجوهرية للصحافة الحرة والمسؤولة.
إنَّ الحقيقة والمنطق هما الحصن الأخير للإعلام في مواجهة موجات التضليل، ومرصد (أكيد) يذكر الزملاء الإعلاميين بأنَّ دورهم هو تنوير العقول لا تخديرها، وبأنَّ الغيب يظلُّ في علم الله وحده، أما العلم والخبر الموثّق فهما أمانة في أعناقنا يجب ألا تُقايض بترند زائف أو نقرات عابرة مهما كانت مغرية على حساب الحقيقة المُهْدرة.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني