الإثارة على حساب المهنية .. عندما تغيب معايير النشر في التغطيات الإعلامية لقضايا القاصرين!

الإثارة على حساب المهنية .. عندما تغيب معايير النشر في التغطيات الإعلامية لقضايا القاصرين!

  • 2026-02-24
  • 12

عمّان 24 شباط (أكيد)- شرين الصّغير- نشرت إحدى الوسائل الإعلامية المحلية مقطعًا من برنامج إذاعي تفاعلي، يستقبل فيه البرنامج اتصالًا من وليّة أمر تتحدث فيه عن طالبة تبلغ من العمر 13 سنة في إحدى المدارس الحكومية، متّهمةً إياها بنشر أفكار إلحادية وسلوكات شاذّة بين الطالبات، وقد سجّل الرصد انتهاكات مهنية وقعت بها الوسيلة الإعلامية، في مخالفة لمعايير التّغطية الصّحفية، لا سيما في التعامل مع قضايا الأطفال.[1]

فقد برز في مقدمة الانتهاكات، الإخلال بمبدأ التوازن والإنصاف، حيث استندت الوسيلة الإعلامية إلى رواية طرف واحد فقط لبناء قصة ذات أبعاد حسّاسة تمس مدرسة حكومية وعائلة بأكملها، ولم يقم البرنامج بوقف سرد الاتّهامات لحين التواصل مع الأطراف المعنية، مثل إدارة المدرسة، أو المرشد التربوي، أو وزارة التربية والتعليم، أو حتى ذوي الطفلة، ما يُعدّ تبنيًا لرواية السيّدة المتّصلة التي قد يتمخّض عنها توجيهًا للرأي العام دون التحقّق من دقّة المعلومات وعرض رأي الأطراف الأخرى ذات الصلة.

إلى جانب ذلك، شكّلت هذه التغطية انتهاكًا لحقوق الطفل والخصوصية، ذلك أنّ مناقشة قضايا سلوكية أو نفسية تخص طفلة قاصرًا عبر البث المفتوح، وتوجيه اتّهامات لها من العيار الثقيل، يعرّضها لخطر الوصمة الاجتماعية والتّنمّر، حتى وإن لم يُذكر اسمها صراحة، إذ يسهل الاستدلال عليها ضمن محيطها المدرسي الضّيّق. كما أنّ طلب الحصول على رابط حساب الطفلة الشخصي يطرح تساؤلات حول الهدف من جمع بيانات قاصر وتتبّعها إعلاميًا دون إذن من الجهات المختصة، بينما لم يُلحظ بذل جهد مماثل للوصول إلى إدارة المدرسة للوقوف على الإجراءات المتّخذة لمعالجة هذه القضية.

إن الاطّلاع على ما نُسب لهذه الفتاة القاصر من تصرّفات عبر الأثير لا يحمل قيمة إيجابية إلّا إذا كانت مدخلًا لتعميق ثقافة المساءلة في المؤسسة المعنية، أي أن تكون الوسيلة الإعلامية قد أسهمت فعلًا في حمل إدارة المدرسة على عمل ما يقع ضمن مسؤولياتها، هذا إذا لم تقم بذلك أصلًا، لمنع تفشي أي أنماط سلوكية خارجة عن قيم المجتمع، أو من شأنها إلحاق الأذى بسلامة الحياة المدرسية ومصالح الطلبة، وهنا يكمن واحد من أهم تجليات رسالة الصحافة.

فضلًا عمّا سبق، لم تخلُ التغطية من التضخيم والإثارة، حيث استُخدمت عناوين تحمل طابعًا تهويليًا لجذب الانتباه، وترافقت مع ردود فعل انفعالية أطلقت أحكامًا مسبقة، وكرّرت عبارات تثير الذعر بين الأهالي، هذا الأسلوب يبتعد تمامًا عن المعالجة الإعلامية الهادئة للمشكلات السلوكية والتربوية، ويندرج تمريره ضمن مساعي حصد المشاهدات والمشاركات والتفاعل على حساب المهنية وحقوق الأفراد.

وختامًا، غابت الدقة عن هذه التغطية عبر الاعتماد على مصادر غير مختصة لتشخيص حالة الطفلة وتوجيه اتّهامات تتعلق بالتفكّك الأسري وغياب الرقابة استنادًا إلى انطباعات شخصية، كان الأجدر بالوسيلة الإعلامية توجيه هذه المعلومات -إن صحّت- إلى إدارة حماية الأسرة أو الجهات التربوية المختصة للتعامل معها بسرية تامة، أو استضافة خبراء في علم الاجتماع والإرشاد النفسي لمناقشة ظاهرة تأثر المراهقين بمحتوى الإنترنت بشكل عام. إنّ القاعدة الذهبية في قضايا الأحداث تقتضي حماية الطفل أولًا، وتتطلب تجنب المحاكمات الإعلامية الغيابية التي تضر بالأطفال والمجتمع.