عمّان 14 تشرين الأول (أكيد)- يبقى كشف تضارب المصالح مسؤولية صحفية لا تبررها الشبهات ولا تخدمها الإيحاءات، بل تتطلب أدلة موثقة، وتحققاً مستقلاً، وحقاً مكفولاً في الرد. فحين تسبق الاتهامات الأدلةَ، تتحول المساءلة من حق الجمهور إساءة للمهنية واعتداء على السمعة.
وسيلة إعلام محلية نشرت خبرًا حول تفاهمات مزعومة بين وزارة وأعضاء إحدى النقابات، ووجود شبهات مقايضة دون تقديم أدلة موثقة تثبت هذه الادعاءات. [1]
يحمل عنوان "البصمة مقابل الكرسي" إيحاءً مباشراً بوجود مقايضة بين تمرير مشروع البصمة والحصول على مناصب أو ترقيات، قبل تقديم أي دليل يثبت ذلك. ويتعزز هذا الإيحاء بالسؤال: "البصمة كانت مطلب الوزير.. والمنصب كان مطلب مين؟"، الذي يوجه القارئ نحو شبهة تبادل المصالح، رغم إقرار الخبر بأن ما يتداول قد لا يتجاوز أحاديث الكواليس. ويثير ذلك إشكالية مهنية تتعلق بتوظيف الإثارة والإيحاء على حساب الدقة والتحقق، بما يتعارض مع مقتضيات الموضوعية وأمانة العنوان في نقل الوقائع، وفقاً لميثاق الشرف الصحفي.
يتجاوز الخبر عرض الخلاف حول مشروع البصمة للتشكيك بنزاهة أعضاء نقابيين، عبر الحديث عن "مواقع إدارية وترقيات ومكاسب مقابل تسهيل تمرير المشروع"، والقول إن "ما كان يقال أمام القواعد عن رفض (البصمة)، لم يكن بالضرورة هو ذاته ما كان يدور خلف الكواليس"، وإن "بعض المواقف النقابية ربما دخلت عليها حسابات أخرى". وتوحي هذه العبارات بوجود مقايضة بين المواقف النقابية والمنافع الشخصية، دون تقديم أدلة قابلة للتحقق، ما يحول الأحاديث المتداولة لاتهامات ضمنية تمس النزاهة والمصداقية، ويخل ذلك بواجب التحقق الذي لا تسقطه سرية المصدر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسمعة الأشخاص.
يعتمد الخبر على مصدر مجهل يشار إليه بـ"العصفورة"، مستخدماً عبارات مثل "مما استمعت له"، و"تداول كلام"، و"ما وصل إلى العصفورة"، و"حديث يدور في الكواليس"، دون توضيح مصدر المعلومات أو ما خضع منها للتحقق المستقل. ويثير ذلك إشكالية مهنية تتعلق بضعف الإسناد وغياب الشفافية بشأن مصداقية المزاعم؛ فحماية سرية المصدر لا تعفي الصحفي من التحقق، ولا تبرر تقديم الأحاديث المتداولة بوصفها أساساً لاتهامات تمس نزاهة الأشخاص.
يطرح الخبر أسئلة اتهامية على أعضاء النقابة، منها: "مش كنتوا ضد البصمة، ومش حقوق الزملاء كانت أمانة، طيب.. شو اللي تغير، القرار.. ولا حسابات الكرسي؟"، دون عرض ردودهم أو توضيح ما إذا جرى التواصل معهم، كما يغيب موقف الوزارة من مزاعم التفاهمات والمناصب والترقيات. ويشكّل ذلك خللاً في التوازن وحق الرد، إذ لا تعوض الأسئلة الاستنكارية إتاحة الفرصة للأطراف المعنية لتوضيح مواقفها، بما يتعارض مع مقتضيات المادة التاسعة من ميثاق الشرف الصحفي المتعلقة بالتحقق والإنصاف وإتاحة حق الرد.
يوظّف الخبر أسئلة استنكارية مثل "هل تغير الموقف لأن المعطيات تغيرت، أم لأن (الكرسي) دخل على خط الحكاية؟"و"المنصب كان مطلب مين؟" لتوجيه القارئ نحو شبهة ارتباط المواقف النقابية بمنافع شخصية، دون أدلة تثبت ذلك. ويثير هذا الأسلوب إشكالية مهنية تتمثل في استخدام الإيحاءات بديلاً عن التحقيق والإثبات، والخلط بين المساءلة المشروعة والتشكيك في النوايا؛ إذ تقتضي المهنية توثيق تغير المواقف والتحقق من التفاهمات المزعومة، وإتاحة الردود قبل ترسيخ الاتهامات.
يوظّف الخبر تعبيرات مثل "العصفورة" و"ناقلة الوشاية" و"الكرسي" و"خلف الكواليس"، ويختتم بعبارة "للحديث بقية"، بما يعزز طابع الإثارة والتلميح لفضائح في سياق اتهامات غير موثقة. ورغم أن هذه اللغة قد تندرج ضمن الأسلوب الساخر، فإن استخدامها للإيحاء بوجود مقايضات ومصالح شخصية دون أدلة يضعف الفصل بين الخبر والتعليق، ويغلب الإثارة على التحقق، بما يتعارض مع مقتضيات الدقة والموضوعية والابتعاد عن المبالغة والإثارة، وفقاً للمادتين التاسعة والعاشرة من ميثاق الشرف الصحفي.
يغفل الخبر السياق الضروري لفهم القضية، فلا يوضح طبيعة مشروع البصمة وأسباب الاعتراض عليه ومبررات الوزارة والنقابة، ولا يقدم تسلسلاً زمنياً موثقاً يثبت تغير مواقف أعضاء النقابة أو يكشف ملابساته. ويؤدي هذا النقص لعرض القضية من زاوية واحدة، بما يخلط بين الخلاف النقابي المشروع وشبهة المقايضة وتضارب المصالح، دون معلومات موثقة تتيح للقارئ التمييز بين الوقائع والادعاءات.
يؤكد مرصد مصداقية الإعلام الأردني (أكيد) أن خطورة نشر أخبار تضارب المصالح ليست بإثارة الشبهات فحسب، بل في تحويلها لاتهامات تمس النزاهة والسمعة دون أدلة موثقة. فالمساءلة الصحفية حق أصيل، لكنها تفقد مهنيتها حين تستبدل التحقق بالتلميح، والحقائق بالشائعات، وحق الرد بالإيحاءات والتحقيق المهني المتوازن.
أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد
أحد مشاريع معهد الإعلام الأردني أسس بدعم من صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية، وهو أداة من أدوات مساءلة وسائل الإعلام, يعمل ضمن منهجية علمية في متابعة مصداقية ما ينشر على وسائل الإعلام الأردنية وفق معايير معلنة.
ادخل بريدك الإلكتروني لتصلك أخبارنا أولًا بأول
© 2026 جميع الحقوق محفوظة موقع أكيد الإلكتروني